مراهقون على حافة الهاوية: المخدرات كأداة لتفكيك الذات والمجتمع في الجزائر

 مراهقون على حافة الهاوية: المخدرات كأداة لتفكيك الذات والمجتمع في الجزائر!



بقلم بوخالفة كريم _سوسيولوجي جزائري .

مقدمة

لم يعد الإدمان في الجزائر حالة فردية معزولة، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تهدد الأمن الروحي والمجتمعي للبلاد. المراهقون الذين يتساقطون واحدًا تلو الآخر في فخ المخدرات ليسوا فقط ضحايا، بل أيضًا مرايا تعكس اختلالات عميقة في المنظومة التربوية، والثقافية، والدينية، والسياسية. ما الذي يجعل هؤلاء الشباب يقفون على حافة الهاوية؟ وكيف أصبحت المخدرات أداة لتفكيك الذات الجماعية، وسلاحًا صامتًا في حرب غير معلنة؟


1. التفكك الأسري والتربوي: الهشاشة تبدأ من البيت.


العائلة الجزائرية فقدت في العقود الأخيرة الكثير من سلطتها الرمزية والتربوية. نتيجة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، أصبح الوالدان منشغلين بالعيش، أو متعبين من القلق، أو غائبين تمامًا عن حياة أبنائهم. المراهق الذي لا يجد من يسمعه في البيت، يلجأ إلى الشارع، والشارع لا يربّي بل يفتك. في ظل هذا التفكك، تغيب الرقابة، التوجيه، والحوار، فتصبح المخدرات خيارًا متاحًا وسهلًا.

2. المؤسسة المدرسية: من منبر للمعرفة إلى فضاء للاغتراب.

المدرسة الجزائرية فقدت جاذبيتها، وأصبحت في كثير من الأحيان فضاءً للنفور، لا للتعلم. طرق التدريس التقليدية، رداءة البنية التحتية، غياب العلاقة الوجدانية بين المعلم والتلميذ، كلها عوامل تدفع المراهق نحو التسرب والانقطاع. والمراهق المنقطع عن المدرسة يدخل في هوية فراغية، تمتلئ بالمخدرات والعنف والمغامرات القاتلة.

3. المقاربة الثقافية: المخدرات كثقافة مضادة


من منظور سوسيولوجيا الثقافة، أصبحت المخدرات جزءًا من "ثقافة مضادة" تتحدى القيم التقليدية وتؤسس لنمط عيش جديد: اللا مسؤولية، المتعة السريعة، اللامبالاة، التحرر من القيود. بعض الأغاني الشعبية تمجد هذا النمط، وتصور المتعاطي كبطل متمرد. في ظل غياب إعلام ثقافي بديل، تصبح هذه الثقافة مهيمنة، وتجد لها قابلية لدى الشباب 

4. المخدرات كاستراتيجية للتهريب الرمزي والتفكيك الجماعي.

سياسيًا، هناك من يرى في انتشار المخدرات نوعًا من التواطؤ أو التساهل الممنهج، الهدف منه تفريغ الجيل الجديد من طاقته الثورية، ومنعه من التفكير في التغيير. الشاب المخدَّر لا يحتج، لا يحلم، لا يشارك، بل ينسحب. وهكذا تُفكك الذات الجماعية ببطء، ويُصنع مجتمع غير واعٍ، لا يخيف السلطة، ولا يُطالب بحقوقه.

5. أمثلة من الواقع: ظواهر مرئية وغير مرئية

 ازدياد عدد حالات التسمم بالمخدرات لدى القصّر في مستشفيات مثل مصطفى باشا، وباب الواد.

أحياء شعبية تُباع فيها المخدرات كما تباع الخبز، في ظل سكوت مريب من الأجهزة.

تقارير أمنية تتحدث عن تورط مراهقين في شبكات تهريب داخلية.

خاتمة

المراهقون في الجزائر لا يقفون فقط على حافة الهاوية، بل أحيانًا يُدفعون إليها دفعًا. المخدرات ليست قضية أمنية فقط، بل مسألة بنيوية: ثقافية، تربوية، نفسية، وأخلاقية. لا يمكن مواجهة الظاهرة ما لم نبدأ من الجذور: إعادة بناء العائلة، إصلاح المدرسة، بثّ ثقافة الأمل، واستعادة ثقة الشباب بأن الجزائر تستحق أن نعيش من أجلها، لا أن نموت 

في صمت داخل شوارعها.

إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم