أزمة علم الاجتماع: حين تُفسّر الظواهر الحديثة بأدوات بالية
بقلم: د. بوخالفة كريم- سوسيولوجي جزائري
مقدمة:
يقول ابن خلدون "اتباع التقاليد لايعني ان الأموات أحياء بل ان الأحياء أموات" وهذا يعني انه لاجديد في علم يؤطر امواته الاحياء! وبلغة بوان كاريه
علم الاجتماع هو ذلك العلم كثير المناهج قليل النتائج!
يعيش علم الاجتماع اليوم مفارقةً مؤلمة: في الوقت الذي تتسارع فيه تحوّلات العالم، وتنبثق ظواهر جديدة تَمسّ العمق الإنساني والمعرفي، ما زال الخطاب السوسيولوجي يعيد إنتاج ذاته عبر مفاهيم ومقاربات ولِدت في سياقات مغايرة جذريًا. أصبح علم الاجتماع، في بعض مظاهره، أقرب إلى أرشيف تفسيري جامد منه إلى أداة تحليل نقدي للواقع المتحوّل.
إن إصرار بعض الاتجاهات على استخدام مفاهيم مثل "الطبقة" أو "الوعي الزائف" أو "البنية – التحتية" أو حتى "العقلانية الأداتية"، في مواجهة ظواهر معقدة كالعزلة الرقمية، سيولة الانتماء، اقتصاد المنصات، الإدمان الافتراضي، أو الذكاء الاصطناعي، يكشف أزمة في الذات النظرية لهذا العلم.
أولًا: المفاهيم السوسيولوجية كأدوات تاريخية لا كآلهة أبدية.
إن مفاهيم مثل "الاغتراب" عند ماركس أو "الأنومي" عند دوركهايم، كانت أدوات شجاعة في زمانها، لكنها اليوم تبدو عاجزة – إن لم تُعد صياغتها – عن ملامسة واقع الفرد المعاصر:
ما الذي يمكن أن يضيفه مفهوم "الأنومي" في تفسير الاكتئاب الرقمي أو ظاهرة الانتحار عبر البث المباشر؟
وهل تكفي "نظرية الصراع الطبقي" لفهم صعود مؤثري التيك توك كطبقة رمزية جديدة لا تملك وسائل الإنتاج بل تملك العيون والقلوب الرقمية؟
هذه الأسئلة تفرض على علم الاجتماع أن لا يُؤلّه ماضيه المفاهيمي، بل أن يُجدد ذاته من الداخل.
ثانيًا: سوسيولوجيا بلا جسد حديث.
إن الظواهر الحديثة لا تقبل أن تُفسّر بمفاهيم تقليدية فقط، لأنها ظواهر هجينة تتقاطع فيها التكنولوجيا، النفس، السوق، الهوية، والجسد. خذ على سبيل كمثال:
ظاهرة “اللاانتماء” عند الجيل الجديد، حيث ينتقل الشاب بين عشرات الهويات الرقمية دون تمركز.
أو العلاقات السائلة حيث يتم اختزال الحب والالتزام في رد فعل على “ستوري” عابر.
أو اقتصاد الانتباه، حيث تتحول الذات إلى مشروع إعلاني دائم.
إنّ هذه الظواهر تتطلب مفاهيم جديدة مثل: الزمن المتسارع (هارتموت روزا)، الحداثة السائلة (زيغمونت باومان)، العقل الشبكي(مانويل كاستلز)، أو حتى التحكم الخوارزمي(جيل دولوز في تحليله للسلطة المعرفية الجديدة).
ثالثًا: عندما تصبح المقاربة النظرية قيدًا معرفيًا.
تكمن المعضلة في أن بعض الباحثين يُقاربون الواقع بنظريات جاهزة، لا يختبرونها، بل يُنزلونها على الظاهرة كما يُنزل القالب على الطين. هذا ما يسميه بيير بورديو بـ "العنف الرمزي المعرفي" الذي يمارسه الباحث على الواقع حين يُخضعه للغة ليست لغته.
مثال على ذلك:
ظاهرة المواطن الرقمي يتم تفسيرها أحيانًا كمجرد “عزلة اجتماعية”، دون اعتبار البعد الإبداعي، التشاركي، والتحرري للمجتمعات الشبكية.
أو ظاهرة المحتوى الساخر والسياسي على وسائل التواصل، يتم تأطيرها داخل "اللاوعي الجمعي"، بدل تحليلها كـمساحة مقاومة غير مؤسسية.
رابعًا: الحاجة إلى فكر مركّب لا خطي.
هنا تظهر الحاجة الملحّة إلى ما يسميه إدغار موران
بـ "الفكر المركّب"، أي الفكر القادر على ربط البعد النفسي بالاجتماعي، الرمزي بالاقتصادي، التاريخي بالآني، والعالمي بالمحلي. الظواهر الجديدة لا تُجزّأ، ولا تُفهم من زاوية واحدة.
لنأخذ مثالًا بسيطًا: ظاهرة الهجرة غير النظامية للشباب الجامعي (الحرڨة،) هل نكتفي بتحليلها بوصفها هروبًا اقتصاديًا؟ أم أنها تعبير عن فقدان الثقة في الأفق الرمزي للجامعة والدولة معًا؟ هنا نحن أمام سؤال معرفي وثقافي عميق، لا تحله النظرية الوظيفية أو النقدية بمفردها.
خامسًا: علم الاجتماع كمساءلة حضارية.
إن أزمة علم الاجتماع اليوم ليست أزمة مناهج فحسب، بل هي أزمة جرأة حضارية. أن تكون سوسيولوجيًا حقيقيًا اليوم، يعني أن تكون قادرًا على مساءلة النموذج المعرفي نفسه، أن ترفض أن تتحول إلى موظف في أرشيف الجامعة، وأن تصرّ على أن تكون شاهدًا، ناقدًا، ومخترقًا للسائد.
خاتمة: نحو علم اجتماع جديد... لا يتواطأ.
إذا كان علم الاجتماع قد وُلد يومًا ليُفسّر بؤس الإنسان في عصر الرأسمالية الصناعية، فإن واجبه اليوم أن يُفسّر اغتراب الإنسان في عصر الرقمنة، وتفتت الهوية، وسيادة الصورة، وذكاء الآلة.
إننا بحاجة إلى سوسيولوجيا جديدة:
تُخاطب الذكاء لا الحفظ ،تُحلل لا تُصفّ ،تُزعج لا تُرضي، وتُنتج مفاهيم من الواقع لا تُسقطها عليه.
فهل نملك شجاعة إنتاج هذه السوسيولوجيا؟ لان
السوسيولوجيا لا يمكن أن تكون إلا نقدية متجاوزة للأحكام المسبقة ولغة الحس المشترك متعالية عن البلاهة، هي سوسيولوجيا متمردة وفاعلة ومنتجة للمفاهيم بلغة جيل دولوز، وأضيف كذلك هي سوسيولوجيا حذرة ويقظة من سطوة اللغة والمفاهيم الجاهزة والمبنية مسبقا، إنها سوسيولوجيا تمقت البداهة والسطحية والتجريبية الساذجة، هي سوسيولوجيا ذات هوية فاعلة وحدود ابستمولوجية واضحة، و المهم كذلك هو
النتائج الجديدة والمتجددة دوما.
