المخاطر المنزلية وحدود الحداثة: قراءة سوسيولوجية في مجتمع المخاطر العربي .

 



 المخاطر المنزلية وحدود الحداثة: قراءة سوسيولوجية في مجتمع المخاطر العربي .


بقلم السوسيولوجي : بوخالفة كريم 


مقدمة:

لم يعد البيت في المجتمعات المعاصرة ذلك الفضاء المغلق الذي يمنح الإنسان الطمأنينة المطلقة كما تخيلته الفلسفات السياسية الحديثة، بل أصبح بدوره فضاءً هشًا يتسلل إليه الخوف من كل زاوية: تسرب غاز، تماس كهربائي، بناية مهددة بالانهيار، أدوات منزلية قاتلة، اختناق صامت، أو حتى عزلة نفسية خانقة داخل جدران يفترض أنها تحمي الإنسان من قسوة العالم الخارجي هنا تنقلب المفارقة الكبرى للحداثة؛ فالمشروع الذي وُلد تاريخيًا على وعد الأمان والتنظيم والعقلانية، صار ينتج أشكالًا جديدة من القلق والمخاطر، حتى داخل أكثر الفضاءات خصوصية وحميمية، أي داخل المنزل نفسه. إن المسألة لم تعد مجرد “حوادث منزلية” معزولة، بل تحولت إلى قضية اجتماعية وسياسية وثقافية تكشف طبيعة المجتمع نفسه، وطبيعة توزيع الأمان داخله، ومن يمتلك حق النجاة ومن يُترك لمواجهة الخطر بجسده العاري.


لقد قام التصور الفلسفي للدولة الحديثة، منذ هوبز ولوك وروسو، على فكرة العقد الاجتماعي؛ أي أن الفرد تنازل عن جزء من حريته مقابل أن تضمن له الدولة الحماية والاستقرار غير أن التحولات المعاصرة كشفت أن الحماية ليست موزعة بالتساوي، وأن الدولة الحديثة لم تنجح دائمًا في تحويل الأمان إلى حق اجتماعي عادل. فداخل المجتمع الواحد توجد فئات تعيش في أحياء آمنة، مزودة بأنظمة وقاية ومراقبة وتجهيزات حديثة، بينما توجد فئات أخرى تسكن داخل هشاشة دائمة، حيث يتحول أبسط خطأ تقني إلى مأساة جماعية. إن الفقير لا يواجه فقط الفقر، بل يواجه كذلك احتمال الموت اليومي داخل فضائه المنزلي. ولذلك فإن الخطر ليس قدرًا طبيعيًا، بل انعكاسًا مباشرًا للبنية الطبقية للمجتمع.

ومن هنا تظهر أهمية سوسيولوجيا المخاطر التي طورها عالم الاجتماع الألماني Ulrich Beck، حين اعتبر أن الحداثة المتقدمة لم تعد تنتج الثروة فقط، بل أصبحت تنتج الأخطار أيضًا فالتطور الصناعي والتكنولوجي خلق أشكالًا جديدة من التهديدات التي لم تكن مألوفة سابقًا: التلوث، الإشعاعات، الأزمات البيئية، الهشاشة الصحية، والانهيارات النفسية. غير أن ما يبدو أكثر خطورة داخل المجتمعات العربية هو أن هذه المخاطر لا تُوزَّع بشكل متساوٍ؛ فهناك من يستطيع شراء الأمان عبر التكنولوجيا والتأمين والسكن المحصن، وهناك من يعيش داخل خطر دائم لأن شروط الحماية الأساسية غير متوفرة أصلًا. ولهذا فإن الحديث عن “الحوادث المنزلية” باعتبارها أخطاء فردية فقط، يخفي البعد البنيوي للمشكلة، ويحوّل الضحية إلى متهم.

إن التفسير الأخلاقي السطحي الذي يحمّل الأفراد وحدهم مسؤولية الحوادث المنزلية يعكس فقرًا سوسيولوجيًا في فهم الظواهر الاجتماعية. فعندما يموت طفل اختناقًا بسبب مدفأة تقليدية، أو تحترق عائلة كاملة بسبب تماس كهربائي، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: “من أخطأ؟”، بل: لماذا يعيش هؤلاء أصلًا داخل شروط سكنية هشة؟ لماذا لا يمتلكون وسائل الوقاية؟ لماذا تتحول الأحياء الشعبية في الشتاء إلى فضاءات للموت البطيء؟ هنا يتحول الحادث الفردي إلى مرآة تكشف اختلالات الدولة والتنمية والعدالة الاجتماعية. فالمجتمع الذي يعجز عن حماية أفراده داخل بيوتهم، هو مجتمع يعاني أزمة عميقة في توزيع شروط الحياة الآمنة.

ومن فكرة أن الخوف نفسه أصبح مؤسسة اجتماعية يومية أي أن الإنسان العربي لم يعد يعيش الخطر فقط، بل يعيش “توقع الخطر” بشكل دائم يمكن القول انه لم تعد المخاطر المنزلية تُنتج فقط ضحايا ماديين، بل أصبحت تُنتج أيضًا إنسانًا قلقًا يعيش تحت التهديد الرمزي الدائم. فالأمر لا يتعلق بالحريق أو الاختناق فقط، بل بالخوف المستمر من إمكانية وقوعهما في أي لحظة. وهنا يتحول الخطر من حدث استثنائي إلى حالة نفسية يومية. الإنسان الذي ينام وهو يتفقد قارورة الغاز أكثر من مرة، أو يراقب الأسلاك الكهربائية بقلق، أو يخاف من انهيار بناية قديمة، يعيش نوعًا من “القلق الوجودي الصامت” الذي تحدث عنه علماء الاجتماع والنفس المعاصرون. إن الخطر هنا لا يقتل الجسد فقط، بل يستهلك الإحساس بالأمان النفسي ويحوّل الحياة اليومية إلى حالة ترقب دائمة.

 كما أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت تُعيد إنتاج الخوف بشكل جماعي، إذ تتحول صور الحرائق والانفجارات والانهيارات إلى مادة يومية متداولة، مما يخلق ما يمكن تسميته بـ “الوعي الجمعي بالخطر”. فالفرد لم يعد يخاف فقط من تجربته الشخصية، بل أصبح يحمل ذاكرة جماعية مليئة بصور الكوارث اليومية. وهنا تصبح المخاطر المنزلية جزءًا من الثقافة العامة للمجتمع، لا مجرد حوادث معزولة.

اما من زواية “اللامساواة العمرانية”:

فإن الخطر في المجتمعات العربية يرتبط أيضًا بطريقة بناء المدن نفسها، فالأحياء الشعبية غالبًا ما تُبنى خارج منطق التخطيط الحضري الحديث، حيث تفتقر لشروط السلامة والبنية التحتية والمراقبة التقنية. لذلك فإن المدينة العربية لا توزع السكن فقط، بل توزع احتمالات النجاة والموت أيضًا. فهناك أحياء صُممت للحياة الآمنة، وأخرى تُركت لتعيش داخل هشاشة مزمنة.

 و من زواية فلسفية يمكن القول ان أخطر ما تكشفه سوسيولوجيا المخاطر هو سقوط وهم السيطرة الكاملة الذي بشّرت به الحداثة. فالإنسان المعاصر، رغم كل التقدم العلمي، ما يزال هشًا أمام تفاصيل صغيرة جدًا: شرارة كهربائية، تسرب غاز، أو خلل تقني بسيط. وهذا يعني أن الحداثة لم تُلغِ الخوف، بل أعادت إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا وخفاءً.


إن الحوادث المنزلية لا يمكن فهمها دائمًا باعتبارها أخطاء فردية معزولة، لأن كثيرًا من الوفيات المرتبطة بالحرائق أو الاختناق أو انهيار السكنات تكشف في العمق وجود “عنف بنيوي” تحدث عنه Johan Galtung، وهو شكل من أشكال العنف غير المباشر الذي تمارسه البنية الاجتماعية على الأفراد فالإنسان قد لا يُقتل برصاصة، لكنه قد يموت بسبب الفقر، أو هشاشة السكن، أو غياب شروط السلامة، أو ضعف التخطيط العمراني، أو غياب الرقابة والسياسات الاجتماعية الفعالة وهنا يصبح الموت المنزلي نتيجة لاختلالات اجتماعية أعمق من مجرد الإهمال الفردي.

إن الخطر داخل المجتمعات العربية لا يتوزع بالتساوي، لأن الفئات الهشة تعيش غالبًا داخل بيئات أكثر تعرضًا للموت اليومي، بينما تستطيع الفئات الميسورة شراء الأمان عبر التكنولوجيا والسكن الآمن والخدمات الوقائية. لذلك فالمخاطر المنزلية ليست مجرد حوادث تقنية، بل مرآة تكشف حجم اللامساواة الاجتماعية وحدود الحداثة العربية التي ما تزال عاجزة عن تحويل التنمية إلى أمان فعلي داخل الحياة اليومية.


ومن زاوية سوسيولوجية أخرى، يمكن فهم هذه الظاهرة عبر مقاربة Pierre Bourdieu حول الرأسمال والهيمنة الاجتماعية. فالأمان نفسه أصبح شكلًا من أشكال الرأسمال. الأغنياء لا يمتلكون المال فقط، بل يمتلكون كذلك القدرة على تجنب المخاطر: أحياء راقية، تجهيزات ذكية، تأمين صحي، كاميرات مراقبة، مواد بناء آمنة، وأجهزة إنذار. أما الفقراء فيعيشون داخل “هشاشة مركبة”، حيث يتداخل الفقر الاقتصادي مع الفقر الوقائي والثقافي والصحي. إنهم لا يفتقرون فقط إلى الموارد، بل يفتقرون إلى القدرة على التحكم في شروط حياتهم اليومية. وهنا تصبح المخاطر جزءًا من إعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية نفسها.


أما من منظور Émile Durkheim، فإن تزايد هذه المخاطر يعكس نوعًا من الاختلال في التضامن الاجتماعي. فالمجتمع الحديث الذي يفترض أن يقوم على التنظيم والعقلانية، قد يتحول أحيانًا إلى مجتمع فاقد للانسجام، حيث تصبح الحياة الفردية معزولة عن الحماية الجماعية. ولذلك فإن الخوف الحديث ليس فقط خوفًا من الموت، بل خوف من العيش داخل مجتمع لا يوفر الطمأنينة الكافية لأفراده. إن الإنسان المعاصر يعيش مفارقة عميقة: كلما ازدادت التكنولوجيا تطورًا، ازداد شعوره بالهشاشة والقلق.


وفي المجتمعات العربية، تتضاعف هذه المفارقة بسبب طبيعة الحداثة نفسها. فنحن نستهلك خطاب الحداثة أكثر مما ننتج شروطها الفعلية. نتحدث عن الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة، بينما لا تزال أحياء كاملة تعاني من انقطاعات الكهرباء، والبنايات الهشة، وغياب أبسط شروط السلامة المنزلية. هنا تظهر “الحداثة الشكلية” التي تهتم بالمظاهر والخطابات أكثر من اهتمامها بتحسين شروط الحياة اليومية. ولذلك فإن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي ليست مجرد مشكلة تقنية، بل أزمة حضارية تعكس عجز المشروع التنموي عن تحويل الإنسان إلى مركز حقيقي للسياسات العمومية.


والأخطر من ذلك أن الجامعة العربية نفسها كثيرًا ما تتعامل مع النظريات السوسيولوجية بوصفها مواد للحفظ والتلقين، لا أدوات لتحليل الواقع. ندرّس سوسيولوجيا المخاطر كنصوص مترجمة، لكننا نادرًا ما ننجز بحوثًا ميدانية حول الحرائق المنزلية، أو علاقة الفقر بالبنية السكنية، أو أثر الهشاشة الاقتصادية على الإحساس بالأمان. وكأن المعرفة الأكاديمية منفصلة عن الحياة اليومية للناس. ولهذا يبدو أن جزءًا من أزمة السوسيولوجيا العربية ليس في نقص النظريات، بل في غياب الجرأة على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى موضوعات للتفكير العلمي العميق.


إن البيت، الذي يبدو في الظاهر فضاءً خاصًا، يخفي داخله كل تناقضات المجتمع: الطبقة، السلطة، الثقافة، الفقر، التنمية، واللامساواة. وحتى الأشياء الصغيرة التي تبدو تقنية محضة ـ كالكهرباء والغاز والبناء ـ تحمل داخلها بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا. فحين تصبح النجاة مرتبطة بالموقع الطبقي، فإن الخطر يتحول إلى شكل جديد من أشكال العنف الاجتماعي غير المرئي.

خاتمة:

ما يثير الانتباه في هذا الموضوع ليس فقط توسيع دائرة سوسيولوجيا المخاطر نحو المجال المنزلي، بل إعادة الاعتبار لفكرة أن “الخطر” نفسه ليس معطىً طبيعيا محايدا بل بناء اجتماعي تتداخل فيه الطبقة والثقافة والدولة والوعي الجماعي فالحوادث المنزلية عند الفقير تختلف دلالتها عن الحوادث نفسها عند الميسور، لأن الأول يعيش داخل هشاشة بنيوية بينما الثاني يمتلك رأسمالا وقائيا وتقنيا يخفف احتمالات الخطر وآثاره.


كما ان أزمة الجامعة العربية التي تستورد المفاهيم قبل أن تستورد شروط إنتاجها المعرفي، فتتحول السوسيولوجيا أحيانا إلى استهلاك نظري بدل أن تكون حفرا في الواقع الاجتماعي المعيش نقدم دعوة لإعادة إنسانية البحث السوسيولوجي وربطه باليومي والهامشي والمسكوت عنه، لا الاكتفاء بالمواضيع الكبرى المستهلكة.

 أيضا نتمنى اعادة تفعيل الربط الضمني بين العقد الاجتماعي ومسؤولية الدولة الحديثة، لأن حماية الإنسان لا تبدأ عند الحدود والسياسة فقط، بل من داخل البيت نفسه؛ من حقه في السكن الآمن، والوقاية، والتوعية، وشروط الحياة الكريمة. وهنا يصبح “الخطر المنزلي” مؤشرا سوسيولوجيا على مستوى الحوكمة والتحضر لا مجرد حادث عرضي معزول.

ان السوسيولوجيا الحقيقية تبدأ من التفاصيل التي يعتبرها الناس عادية، بينما هي في العمق تكشف بنية المجتمع كلها.

لهذا فإن سوسيولوجيا المخاطر ليست ترفًا نظريًا، بل محاولة لفهم كيف أصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل عالم يبدو أكثر تطورًا من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه أكثر هشاشة وقلقًا. إن الحداثة التي وعدت الإنسان بالسيطرة على الطبيعة، انتهت أحيانًا إلى إنتاج إنسان خائف حتى داخل منزله. وربما هنا يكمن السؤال الأكثر قسوة: ما معنى التقدم إذا كان الإنسان لا يشعر بال

أمان في أبسط تفاصيل حياته اليومية؟



إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم