الهروب إلى العدم: سوسيولوجيا الإدمان وانكسار المعنى لدى شباب الجزائر!


 #بقلم_بوخالفة_كريم _ سوسيولوجي جزائري.


مقدمة
في الجزائر، حيث تلتقي تحولات ما بعد الاستعمار مع عنف التحول الاقتصادي والانسداد الثقافي، تنشأ جروح وجودية عميقة في وجدان

، لا تُشفى بسهولة. وسط هذه الجروح، تتحوّل المخدرات، لا سيما "سكرات الموت"، إلى أكثر من مجرد مادة قاتلة، بل إلى ملاذ وجودي، أو محاولة يائسة للهروب من واقع عبثي. هذا المقال يسعى لفهم الإدمان لا كظاهرة طبية أو قانونية فقط، بل كتعبير عن انكسار المعنى، وفقدان الهوية، واحتضار الحلم في نفوس شباب جزائريين يشعرون أنهم بلا مستقبل.

1. الإدمان كعرض لأزمة هوية شبابية.
سوسيولوجيًا، يمكن اعتبار المخدرات عرضًا خارجيًا لتشوهات بنيوية داخلية تعاني منها المنظومة الاجتماعية الجزائرية. فالمراهق والشاب الجزائري يعاني من فجوة حادة بين الخطاب المدرسي الرسمي (الذي يكرّس الوطنية والطموح والمثالية) وبين الواقع المعيش (الذي يتسم بالبطالة، الرداءة، غياب القدوة، وتآكل الثقة بالمؤسسات). هذا التناقض يولّد اضطرابًا في الهوية الفردية، يدفع الشباب إلى البحث عن معنى في أماكن خطرة، منها تعاطي المخدرات.

2. مقاربة التفاعلية الرمزية: البحث عن الانتماء ولو في الهامش.
وفق مدرسة التفاعلية الرمزية (مياد، غورفمان)، تُقرأ المخدرات كوسيلة تواصل رمزية مع جماعة من المنبوذين أو المهمشين، ممن يشكلون لأنفسهم "دورًا" خارج المنظومة. في هذا السياق، يصبح المتعاطي جزءًا من جماعة بديلة تعطيه هوية، لغة، وأدوارًا محددة، وهو ما يعوّض غياب الاعتراف في العالم الاجتماعي النظامي (المدرسة، العائلة، الدولة).

3. مقاربة بورديو: رأس مال رمزي في عوالم مقلوبة.
إذا قرأنا الظاهرة من منظور بيير بورديو، فسنجد أن الإدمان هو تمظهر لغياب الرأسمال الثقافي والرمزي لدى الشاب الجزائري. في غياب فرص التعليم النوعي، التكوين، والتقدير الاجتماعي، يُقصى الشاب من الحقول المشروعة للترقي. وعليه، يبني عالمًا موازيًا، يحوّل فيه المخدر إلى رمز للقوة، التمرد، وربما "الحرية" الكاذبة. هذا هو الحقل المنقلب الذي تحدث عنه بورديو، حيث تُقلب منظومة القيم، ويُعاد تعريف النجاح والفشل.

4. الإدمان كأزمة معنى: المقاربة الوجودية.
من منظور فلسفي، وخصوصًا من خلال فكر كيركغارد، نيتشه، وسارتر، فإن تعاطي المخدرات يمكن فهمه كخيار وجودي أمام عبثية العالم. عندما لا يجد الإنسان ما يمنحه المعنى، يصبح الفراغ خانقًا، والهروب ضرورة. المخدر هنا ليس متعة بل مسكنًا ضد وجود بلا مقصد. الشباب يتعاطون لأنهم لا يعرفون لماذا يجب أن يستمروا. ولعل أخطر ما في الأمر، أن بعضهم يعي ذلك بمرارة، لكنه لا يجد بديلًا سوى الموت البطيء.

5. أمثلة واقعية: من الشارع إلى السرير ثم القبر!
 في أحياء مثل "بوسماعيل"، أو "حي سوريكال" مثلا يتداول الشباب مواد مخدرة جديدة لا يعرفها الطب، وأغلبها مهرب أو مصنع بطرق تقليدية.
 قصص لمراهقين تركوا الدراسة، ثم دخلوا دوامة المخدرات، ومنها إلى الجريمة أو الأمراض النفسية.
 شهادات من أمهات يفقدن أبناءهن في ربيع أعمارهم، بعد أن كان حلمهن أن يصبحوا مهندسين أو معلمين.
خاتمة
الهروب إلى المخدرات ليس خيارًا سطحيًا، بل علامة على أزمة عميقة في المجتمع الجزائري. إنها صرخة وجودية ضد اللامعنى، وضد الانسداد. الحل لا يكمن فقط في العقاب أو العلاج، بل في إعادة بناء المعنى، في خلق مشروع مجتمعي يؤمن بالشباب، ويمنحهم ما يحميهم من الفراغ: الحلم.



1 تعليقات

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم