المقاولاتية في الجزائر بين إغراء الخطاب وإكراهات الواقع: قراءة سوسيولوجية نقدية.

 المقاولاتية في الجزائر بين إغراء الخطاب وإكراهات الواقع: قراءة سوسيولوجية نقدية.



بقلم: بوخالفة كريم - سوسيولوجي جزائري.

مقدمة:

يبدو أن الجزائر دخلت، على مضض، زمن "المقاولاتية" بعد عقود من الارتهان إلى نموذج "الوظيفة العمومية" كأفق وجودي وأسطورة خلاص اجتماعي. غير أن هذا التحول لا يسير بخطى متزنة، إذ تصطدم مشاريع دعم الشباب المقاولاتي بجملة من العراقيل السوسيولوجية والثقافية والمؤسساتية، تجعلنا نطرح سؤالًا وجوديًا لا تقنيًا: هل نحن حقًا مجتمع مؤهل للمقاولاتية؟ وهل يمكن لجامعة فشلت في إنتاج "موظف كفء" أن تنجح فجأة في إنتاج "مقاول حر"؟

تسعى هذه الورقة إلى تفكيك هذه المعضلة من خلال مقاربة سوسيولوجية وثقافية وفلسفية متداخلة، تنظر في بنية المجتمع، ورأسماله الرمزي، ونسقه القيمي، ومنطقه البيروقراطي، لفهم الفشل المتكرر في ترسيخ ثقافة المقاولة، رغم كثرة الخطابات الرسمية والبرامج التمويلية.


 أولًا: الروح المقاولاتية في مواجهة البيروقراطية الرعوية


من زاوية نظرية الفعل الاجتماعي لماكس فيبر يمكن فهم الفعل المقاولاتي باعتباره فعلًا عقلانيًا غائيًا يستند إلى التخطيط والمخاطرة والربح. غير أن هذا النوع من الفعل لا يزدهر إلا في بيئة مؤسساتية عقلانية، تحكمها القواعد الموضوعية لا الولاءات الشخصية أو القرارات الاعتباطية ،لكن في الجزائر، ما زالت الإدارة تعمل وفق نموذج الحكم الأبوي والرعوي، حيث تُمارس السلطة لا عبر القانون بل عبر الأشخاص، وحيث يخاف المواطن من عون الحالة المدنية كما لو كان يواجه شرطياً. هذا الرهاب الإداري يقوّض أي إرادة للاستقلال الاقتصادي، إذ أن المقاول الشاب يكتشف أن "المشروع" ليس مجرد فكرة أو تمويل، بل هو مسار طويل من إذلال الأوراق، والانتظار، والتفاوض مع شبكة معقدة من المصالح.

إن شعار "دعه يعمل، دعه يمر" الذي رفعه آدم سميث في كتابه ثروة الأمم يصطدم عندنا بواقع يقول: "دعه ينتظر، دعه يدفع، دعه يُحبط"!


ثانيًا: تمزق القيم بين إدارة الأعمال وتحريم الأعمال.


من منظور المقاربة الثقافية، فإن الروح المقاولاتية ليست مجرد سلوك اقتصادي، بل هي منتج ثقافي ينبع من قيم مثل: المبادرة، الفردانية الإبداعية، تقبل المخاطرة، المصلحة الذاتية العقلانية. لكن هذه القيم تصطدم في المجتمع الجزائري بمنظومة ثقافية تقليدية تُمجّد الطمأنينة على حساب المغامرة، والاستقرار على حساب المخاطرة.

فمن جهة، نجد الجامعات تدرّس "ريادة الأعمال" ضمن وحدات جامدة ومفصولة عن الواقع، وتفتخر بتخريج شباب مقاولين على الورق. ومن جهة أخرى، ينتشر خطاب ديني محافظ، يُحرّم بعض آليات التمويل، ويشكك في نوايا الربح، ويزرع في اللاوعي الجمعي أن "العمل الحر" قد يكون بابًا للحرام.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"التمزق القيمي، حيث يعيش الفاعل الاجتماعي حالة من الشلل الوجودي: هل يتبع خطاب الجامعة؟ أم خطاب الشيخ؟ هل ينجز مشروعه البنكي؟ أم يتراجع خشية الربا؟


 ثالثًا: الجامعة بين إخفاق الموظف واستحالة المقاول.


من زاوية نظرية الحقل لبورديو، فإن الجامعة الجزائرية تنتمي إلى حقل أكاديمي مغلق على ذاته، يعيد إنتاج النظام الرمزي نفسه دون أن يُحدث تحوّلًا فعليًا في التصورات الذهنية والممارسات. الجامعة التي عجزت عن خلق "طالب موظف" بالكفاءة المهنية والمعرفية المطلوبة، تجد نفسها فجأة مطالبة بأن تُنجب "طالبًا مقاولًا"، في سياق لم يُعاد فيه تعريف الهوية المهنية ولا منطق التكوين ولا أهداف التعليم العالي.

فالجامعة تدرّس المقاولاتية لكن:

لا تملك شراكات حقيقية مع السوق.

 لا تمنح تكوينًا عمليًا حقيقيًا.

 ولا تملك حتى أساتذة ذوي خبرة اقتصادية أو ميدانية فعلية، بل غالبًا ما يُدرّس "ريادة الأعمال" من لم يخض أي تجربة اقتصادية حقيقية.

كيف يمكن أن تنجح جامعة بيروقراطية في خلق فاعل اقتصادي حُر؟

 رابعًا: العراقيل الثقافية والدينية والرمزية


من منظور التفاعلية الرمزية (جورج هربرت ميد)، لا يمكن للمقاول أن يتكون إلا إذا تم الاعتراف به اجتماعيًا، أي أن تُبنى له صورة ذهنية إيجابية لدى المجتمع. لكن ما يحصل في الجزائر هو العكس: المقاول غالبًا ما يُنظر إليه كـ"طامع في الربح"، أو "متلاعب بالتمويل"، أو حتى "ساعي وراء طريق مختصر للثروة".

ويُضاف إلى ذلك المنظور الديني الذي لا يميز بين الاقتصاد الريعي والاقتصاد المنتج، ويضع كل معاملة مالية تحت الشبهة، مما يجعل المقاول الشاب مترددًا، تائهًا، غير قادر على تبرير ذاته أمام أسرته أو محيطه، خاصة إذا كان التمويل عن طريق قروض بنكية.

المقاولاتية في الجزائر إذن، تعاني من:

غياب الشرعية الثقافية.

ضعف الدعم المؤسساتي الحقيقي.

انقسام مرجعي في الذهنية الجماعية بين خطاب التحفيز وخطاب التحريم.


خامسا : بين شهادة الجامعة وتجربة السوق: حين يفشل المعنى قبل أن يفشل المشروع"


الطالب الجامعي في الجزائر يُلقَّن، لكنه لا يُكوَّن. يُدرَّب على إقناع الأستاذ بنقطة، لا على إقناع مستثمر بفكرة. في الجامعة، النجاح مرتبط بالحفظ؛ في السوق، النجاح مرهون بالفكرة، بالندرة، وبالجرأة على الفعل

سوسيولوجيًا، الجامعة تعيد إنتاج "الفاعل التابع"، لا "الفاعل المبادر"، لأنها تفصله عن الواقع وتُغرقه في رمزية الشهادة، لا في واقعية المهارة. ثقافيًا، ما زالت نظرة المجتمع للمقاول مشوبة بالريبة، وللمخاطرة بالتهور، وللربح بالشبهة.بين شهادة الجامعة وتجربة السوق: حين يفشل المعنى قبل أن يفشل المشروع"

فلسفيًا، نحن لا نؤمن بعد بـ"الذات المنتجة"، بل نُفضّل "الوظيفة كمأوى وجودي"، على "المغامرة كمصير مفتوح". ولذلك، لن تنجح المقاولاتية حتى نعيد تشكيل نظرتنا للفعل، للخطأ، للنجاح، وللحرية.

إنها ليست أزمة مشاريع… بل أزمة معنى.


 سادسا :هل نعيش مقاومة للمقاولة؟

يبدو أن المجتمع الجزائري لا يرفض المقاولاتية كمفهوم، بل يقاومها كسلوك. هذه المقاومة ليست دائمًا ظاهرة، بل غالبًا ما تتجلى في خطابات مزدوجة، ممارسات تثبيطية، وشبكات إدارية تعرقل أكثر مما تسهّل.

إن العقل الجمعي الجزائري، المعتاد على "الدولة الراعية"، لم يُهَيَّأ بعد لتقبّل "الفرد المنتج"، لأن ذلك يعني:

تفكيك منطق التواكل.

 تحميل الفرد لمسؤولية مصيره.

 إعادة توزيع القوة من يد الدولة إلى يد الفاعل الاقتصادي المستقل.

وهذا التغيير البنيوي لا يمكن أن يتم بقرار إداري أو وحدة دراسية، بل يتطلب تحولًا ثقافيًا، وتحديثًا للخطاب الديني، وتغييرًا في العقيدة الإدارية.

خاتمة:

لا تكمن أزمة المقاولاتية في الجزائر في نقص التمويل أو ضعف الأفكار، بل في فقر البيئة الثقافية والمجتمعية والمؤسساتية المؤهلة لاحتضانها. المقاولة ليست فقط حسابًا بنكيًا، بل نسقًا ثقافيًا، ورؤية ذاتية، ومنظورًا أخلاقيًا، وثقة في الدولة والمجتمع.

وحتى تنجح الجامعة في خلق مقاول، يجب أولًا أن تعيد تشكيل علاقة الطالب بالواقع، وبذاته، وبالقيمة، وبالعمل. ويجب أن نُخرج الخطاب الاقتصادي من قبضة لغة الخشب الفلندي، وأن نُعيد تعريف "الربح" كقيمة مجتمعية لا كخطأ أخلاقي.

فالبلد لا يتطور بالتحفيزات المالية فقط، بل بتفكيك العوائق الرمزية. ولا يُبنى الاقتصاد بالمشاريع، بل بالإنسان القادر على أن يحمل المشروع.


أهم المراجع المعتمدة:


1. ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع، ترجمة فريد العليبي، دار الفارابي، بيروت، 2010.

2. بيير بورديو، أسئلة في علم الاجتماع، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1995.

3. ريتشارد سينيت، ثقافة الجديد: أخلاق العمل في الرأسمالية الجديدة، ترجمة حسام الدين خضور، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2010.

4. فيليب بيرنو، مهنة المعلم، ترجمة محمد الدريج، دار الكتاب الجامعي، الإمارات، 2006.

5. ألان تورين، نقد الحداثة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء، 1989.

6. أمارتيا سن، التنمية حرية، ترجمة محمد عوينة، دار التنوير، بيروت، 2012.

، ترجمة جوزيف بو نعوم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008.

6. عبد المجيد مزيان، الجامعة الجزائرية والتحول الاجتماعي منشورات دار هومة، الجزائر، 2015.

7. الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية (ANADE)، تقارير دورية حول فشل ونجاح المشاريع المصغرة في الجزائر، الجزائر، 2021–2024.

8. دراسة: مقاولاتية الشباب في الجزائر: بين الطموح والتحديات 

مجلة الباحث للدراسات الاقتصادية، جامعة المسيلة، العدد 18، 2023.



إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم