تغير مفهوم المكانة الاجتماعية في المجتمع الجزائري

 


تغير مفهوم المكانة الاجتماعية في المجتمع الجزائري



من رأسمال التعليم والمهنة إلى رأسمال المال والاستهلاك والمظاهر


بقلم :بوخالفة كريم _ الجزائر 

لم تعد المكانة الاجتماعية في المجتمع الجزائري المعاصر مفهوما مستقرا يمكن تحديده من خلال المهنة أو المستوى التعليمي أو الأصل العائلي فقط بل أصبحت أكثر تعقيدا وتداخلا مع التحولات الاقتصادية والثقافية والرمزية التي عرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة فالفرد الذي كان ينظر إليه باعتباره ذا مكانة مرتفعة بسبب شهادته العلمية أو وظيفته أو موقعه المهني أصبح يجد نفسه في فضاء اجتماعي تتدخل فيه عناصر أخرى أكثر بروزا مثل الدخل والقدرة الاستهلاكية ونمط اللباس ونوع السيارة ومكان السكن وطريقة قضاء العطلة وحتى درجة الحضور على شبكات التواصل الاجتماعي.

وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن التعليم والمهنة فقدا قيمتهما الاجتماعية بصورة كاملة وإنما يعني أن معايير الاعتراف الاجتماعي أصبحت أكثر تعددا وأن المجتمع أصبح يعيد ترتيب رموزه باستمرار فالمهندس والطبيب والأستاذ والباحث لا يزالون يحتفظون برأسمال رمزي مهم لكن هذا الرأسمال قد لا يكون كافيا وحده لإنتاج الإحساس بالمكانة الاجتماعية في بيئة أصبحت فيها القدرة على الاستهلاك والظهور المادي من أهم وسائل التعبير عن النجاح.

وتزداد أهمية هذه المسألة إذا وضعناها في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر حيث ارتفع مستوى الاستهلاك الأسري خلال فترات مختلفة وأصبح الاستهلاك جزءا مركزيا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية وقد أشار بحث منشور في المجلة الجزائرية للبحوث الاقتصادية إلى أن بنية الاستهلاك في الجزائر تأثرت بعوامل اقتصادية وغير اقتصادية وباختلاف السكن والدخل وحجم الأسرة وغيرها من المحددات الاجتماعية كما تشير بيانات البنك الدولي الحديثة إلى استمرار أهمية استهلاك الأسر في ديناميكية الاقتصاد الجزائري خلال السنوات الأخيرة.

إن السؤال السوسيولوجي الحقيقي هنا ليس هل أصبح الجزائريون ماديين أكثر من السابق وإنما كيف تغيرت آليات الاعتراف الاجتماعي وكيف أصبحت الأشياء المادية تحمل معاني تتجاوز قيمتها الاقتصادية المباشرة فالسيارة ليست مجرد وسيلة للنقل والهاتف ليس مجرد وسيلة للاتصال والمنزل ليس مجرد مكان للسكن واللباس ليس مجرد حاجة وظيفية فكل هذه الأشياء يمكن أن تتحول إلى علامات اجتماعية يقرأ من خلالها الآخرون موقع الفرد داخل السلم الاجتماعي.

لقد كان المجتمع التقليدي يمنح الفرد مكانته بدرجة كبيرة من خلال الانتماء العائلي والعشائري والموقع داخل الجماعة والسن والسمعة والنسب ثم جاءت المدرسة الحديثة والجامعة والعمل الإداري والمهن الحديثة لتعيد تشكيل مصادر المكانة الاجتماعية فأصبح الطبيب والأستاذ والمهندس والموظف الإداري يحتلون مواقع رمزية جديدة لأن المعرفة والشهادة والعمل المؤسساتي أصبحت مصادر للاعتراف الاجتماعي.

وهنا يمكن الاستفادة من تصور بيير بورديو للرأسمال الثقافي الذي لا يقتصر على المال وإنما يشمل المعرفة والشهادات والكفاءات والذوق وأنماط السلوك فالفرد لا يمتلك رأسمالا اقتصاديا فقط بل يمتلك كذلك رأسمالا ثقافيا واجتماعيا ورمزيا وهذه الرؤوس يمكن أن تتحول إلى بعضها البعض وتمنح صاحبها قدرة مختلفة على احتلال المواقع الاجتماعية.

لكن التحولات المعاصرة جعلت الرأسمال الاقتصادي أكثر حضورا في عملية إنتاج المكانة ففي بعض الأوساط لم يعد السؤال الأول عندما نتعرف على شخص جديد هو ماذا درس أو ماذا يعمل وإنما ماذا يملك وأين يسكن وما نوع سيارته وكيف يعيش وأين يسافر وما مستوى الإنفاق الذي يستطيع تحمله وهنا يظهر التحول من المكانة المبنية على الإنجاز إلى المكانة المبنية على القدرة على إظهار الإنجاز من خلال الممتلكات.

وهذا فرق سوسيولوجي بالغ الأهمية لأن امتلاك الشيء يختلف عن القدرة على إنتاج القيمة فالشهادة تعبر في الأصل عن مسار تعليمي طويل والمهنة تعبر عن مهارة أو تخصص والعمل يعبر عن مساهمة اجتماعية بينما الاستهلاك قد يعبر فقط عن القدرة الاقتصادية على شراء سلعة معينة ومع ذلك يستطيع الشيء المادي أن يتحول اجتماعيا إلى رمز للنجاح.

ومن هنا يمكن فهم انتشار ما يمكن تسميته بالاستهلاك الرمزي فالإنسان لا يشتري دائما لأنه يحتاج وإنما قد يشتري لأنه يريد أن يرسل رسالة اجتماعية عن نفسه يريد أن يقول للآخرين أنا ناجح أنا قادر أنا مختلف أنا أعيش بطريقة معينة وهذا هو جوهر التحليل السوسيولوجي للاستهلاك فالسلعة تصبح لغة اجتماعية صامتة.

تظهر هذه الظاهرة بوضوح في السيارات والهواتف والملابس والمنازل وحتى في طريقة تنظيم حفلات الزواج فبعض الممارسات الاستهلاكية لا يمكن تفسيرها بالحاجة الاقتصادية المباشرة وإنما بالرغبة في الحفاظ على المكانة أمام الآخرين والخوف من أن يظهر الفرد أقل من الجماعة.

وهنا يظهر مفهوم مهم هو ضغط المقارنة الاجتماعية فالفرد لا يقارن نفسه دائما بما يحتاجه وإنما بما يمتلكه الآخرون فإذا اشترى أحدهم سيارة جديدة أصبحت السيارة بالنسبة إلى الآخرين معيارا جديدا وإذا أقام شخص حفلا كبيرا أصبح حجم الحفل معيارا جديدا وإذا نشر شخص صورا من سفره أصبح السفر جزءا من المنافسة الرمزية وهكذا يتحول المجتمع إلى فضاء للمقارنة المستمرة.

وتضاعفت هذه المقارنة مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي التي جعلت الحياة الخاصة أكثر قابلية للعرض والمشاهدة فالفرد لم يعد يعيش مكانته الاجتماعية في المجال الواقعي فقط وإنما أصبح يعرضها رقميا أيضا ومن هنا ظهرت صورة جديدة للمكانة تقوم على القدرة على إنتاج صورة جذابة عن الذات.

أصبح عدد المتابعين وعدد الإعجابات وحجم التفاعل أحيانا يتحول إلى رأسمال رمزي جديد فالشخص الذي يمتلك حضورا رقميا قويا قد يحصل على اعتراف اجتماعي حتى لو لم يكن يمتلك تعليما عاليا أو موقعا مهنيا تقليديا وهذا يعني أن المجتمع الجزائري يشهد توسعا في مصادر إنتاج المكانة وليس مجرد انتقال بسيط من التعليم إلى المال.

إننا أمام تعدد في الرأسمالات وليس أمام استبدال كامل لرأسمال بآخر فهناك رأسمال اقتصادي وهناك رأسمال ثقافي وهناك رأسمال اجتماعي وهناك رأسمال رقمي ورأسمال رمزي وكل واحد منها يستطيع أن يمنح صاحبه نوعا معينا من القوة والاعتراف.

وقد يكون الشخص فقيرا اقتصاديا لكنه غني ثقافيا وقد يكون شخص آخر محدود التعليم لكنه قوي اقتصاديا وقد يمتلك ثالث شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية تمنحه فرصا لا يمتلكها صاحب الشهادة وقد يستطيع رابع أن يحول حضوره الرقمي إلى مصدر للدخل والمكانة وهكذا أصبحت الخريطة الاجتماعية أكثر تعقيدا.

ومن هنا يمكن فهم أحد التحولات المهمة في المجتمع الجزائري وهو تراجع الاعتقاد بأن التعليم وحده يضمن الصعود الاجتماعي فالشهادة الجامعية كانت تمثل في مراحل تاريخية معينة وعدا اجتماعيا بالصعود وتحسين الوضع لكنها أصبحت تواجه واقعا أكثر تعقيدا بسبب صعوبة الاندماج المهني وعدم تطابق بعض التكوينات مع سوق العمل وهو ما يجعل القيمة الرمزية للشهادة موجودة لكن قيمتها في تحقيق المكانة الاقتصادية قد تصبح محدودة في بعض الحالات.

وهذا الوضع ينتج مفارقة اجتماعية عميقة فالمجتمع يرفع من قيمة التعليم خطابيا لكنه في الحياة اليومية قد يكافئ أشخاصا آخرين يمتلكون موارد اقتصادية أو شبكات علاقات أقوى ومن هنا ينشأ شعور لدى بعض الشباب بأن الجهد الدراسي لا يؤدي بالضرورة إلى المكانة التي كانوا يتوقعونها.

ولا ينبغي فهم هذه الظاهرة باعتبارها جزائرية خالصة فالعلاقة بين التعليم والحراك الاجتماعي وبين الوضع الاقتصادي والمكانة الاجتماعية موضوع عالمي فقد أظهر البنك الدولي أن فرص الحراك الاجتماعي ترتبط بدرجة كبيرة بالخلفية الاجتماعية للأسرة وأن قدرة الفرد على الصعود الاجتماعي لا تعتمد دائما على إمكاناته الفردية وحدها.

غير أن خصوصية الحالة الجزائرية تكمن في تداخل هذه التحولات مع تاريخ طويل من تدخل الدولة في التعليم والعمل والحماية الاجتماعية ومع استمرار تأثير الأسرة وشبكات القرابة والعلاقات الاجتماعية في الحياة اليومية فالمكانة لا تنتج فقط من الفرد وإنما من الشبكات التي يتحرك داخلها.

وهنا يصبح مفهوم الرأسمال الاجتماعي مهما للغاية فالشخص الذي يمتلك شبكة واسعة من الأقارب والأصدقاء والمعارف قد يمتلك موارد اجتماعية تمكنه من الوصول إلى فرص معينة بسرعة أكبر من شخص آخر يمتلك مؤهلات علمية مشابهة لكنه يفتقر إلى الشبكات المناسبة.

وبذلك لا يصبح السؤال من أنت فقط وإنما من تعرف أيضا ومن يستطيع أن يفتح لك الباب ومن يمكنه أن يقدمك للآخرين وهذا يجعل المكانة الاجتماعية نتاجا لتفاعل ثلاثة عناصر على الأقل المال والمعرفة والعلاقات.

لكن المشكلة تظهر عندما تصبح المظاهر بديلا عن الإنجاز الحقيقي فهنا يمكن أن يحدث انفصال بين المكانة الظاهرة والمكانة الفعلية فقد يبدو الشخص ناجحا جدا بسبب طريقة لباسه أو سيارته أو منزله أو سفره بينما لا تعكس هذه العلامات بالضرورة حجم مساهمته أو كفاءته أو استقراره الاقتصادي الحقيقي

وهذا ما يمكن تسميته سوسيولوجيا بالمكانة الاستعراضية حيث لا تكفي حيازة الموارد وإنما يصبح ضروريا إظهارها للآخرين فالشيء الذي لا يراه الآخرون قد يفقد جزءا من قيمته الرمزية ولذلك تتحول الحياة الاجتماعية إلى نوع من العرض المستمر للذات.

ومن هنا يمكن استحضار إرفنغ غوفمان الذي نظر إلى الحياة الاجتماعية باعتبارها نوعا من الأداء حيث يحاول الأفراد تقديم صورة معينة عن أنفسهم أمام الآخرين فالفرد يختار لباسه وطريقة كلامه ومكان وجوده وحتى طريقة ظهوره على وسائل التواصل لكي ينتج انطباعا معينا عن ذاته.

في المجتمع الجزائري يمكن ملاحظة هذا الأمر في مناسبات كثيرة خاصة الأعراس والمناسبات العائلية حيث تتحول المناسبة أحيانا من فضاء للاحتفال إلى فضاء لإنتاج المكانة فالسيارة والقاعة واللباس وعدد المدعوين ونوعية الطعام والتصوير كلها يمكن أن تدخل في عملية إنتاج الصورة الاجتماعية للأسرة.

وهنا لا ينبغي اختزال المسألة في حب التظاهر لأن ذلك سيكون حكما أخلاقيا وليس تحليلا سوسيولوجيا فالسوسيولوجي يسأل لماذا يحتاج الفرد إلى الاستعراض ولماذا يشعر أنه مطالب بإثبات مكانته أمام الآخرين وما البنية الاجتماعية التي تجعل الاعتراف مرتبطا بهذه الرموز.

والجواب يمكن أن يكون في طبيعة المجتمع نفسه فالإنسان كائن يبحث عن الاعتراف ولا يستطيع أن يعيش بمعزل عن تقييم الآخرين وعندما تتغير معايير الاعتراف تتغير معه طرق تقديم الذات.

لذلك فإن التحول من المكانة المرتبطة بالتعليم والمهنة إلى المكانة المرتبطة بالمال والاستهلاك لا يعني بالضرورة أن القيم الثقافية اختفت وإنما يعني أن الرأسمال الاقتصادي أصبح قادرا بصورة أكبر على تحويل نفسه إلى رأسمال رمزي فالمال يستطيع أن يتحول إلى سيارة وإلى منزل وإلى سفر وإلى لباس وإلى نمط حياة ثم تتحول هذه الأشياء إلى علامات اجتماعية ثم تتحول العلامات إلى مكانة.

وهذه العملية تكشف عن العلاقة العميقة بين الاقتصاد والثقافة فالاستهلاك ليس نتيجة للقدرة الشرائية فقط وإنما هو أيضا إنتاج ثقافي للمعنى وقد بينت دراسات حول الجزائر أن الاستهلاك الأسري يتشكل من مجموعة من المحددات الاقتصادية والاجتماعية وليس من الدخل وحده.

كما أن التحولات الاقتصادية الحديثة تخلق بيئة أكثر ملاءمة لظهور أنماط استهلاكية جديدة فالبنك الدولي يشير في أحدث تقييماته إلى استمرار قوة استهلاك الأسر والاستثمار في دعم النشاط الاقتصادي الجزائري خلال 2025 مع استمرار الحاجة إلى تنويع الاقتصاد وتحسين الإنتاجية وهذا يعني أن الاستهلاك أصبح عنصرا مهما في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وليس مجرد نشاط هامشي

غير أن المفارقة تكمن في أن المجتمع قد يمنح قيمة كبيرة للقدرة على الاستهلاك حتى عندما لا تعكس هذه القدرة إنتاجا اقتصاديا مستقرا فقد يصبح الاقتراض أو الإنفاق المفرط أو التضحية باحتياجات أخرى وسيلة للحفاظ على صورة اجتماعية معينة وهنا تظهر سلطة الجماعة على الفرد.

إن عبارة مثل ماذا سيقول الناس ليست مجرد عبارة عابرة وإنما يمكن قراءتها باعتبارها آلية للضبط الاجتماعي فالفرد يراقب نفسه لأنه يعرف أن الجماعة تراقبه ومن ثم قد يستهلك أكثر مما يحتاج حتى لا يبدو أقل من الآخرين.

وهنا نصل إلى مسألة الطبقة الوسطى التي تعيش تناقضا خاصا فهي تريد الحفاظ على صورتها الاجتماعية وتوفير نمط حياة معين لأبنائها لكنها تواجه في الوقت نفسه ارتفاع تكاليف الحياة وتفاوت الدخول لذلك قد يصبح الحفاظ على المظهر جزءا من معركة الحفاظ على المكانة.

وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة وهي أن المكانة الاجتماعية ليست دائما انعكاسا للثروة الحقيقية فقد يكون هناك فرق بين ما يملكه الإنسان وما يظهره وبين ما يعتقد الآخرون أنه يملكه وفي هذا الفرق بالذات تتشكل مساحة واسعة من التفاعلات الاجتماعية.

كما أن التحول الرقمي زاد من قوة الصورة على حساب الواقع فوسائل التواصل تسمح للفرد بعرض لحظات منتقاة من حياته وليس حياته كاملة ولذلك يمكن أن يصبح المجتمع أمام نوع من المسرح الاجتماعي الذي يعرض النجاح ويخفي الفشل ويعرض الاستهلاك ويخفي الديون ويعرض السفر ويخفي الضغوط.

وهكذا أصبح إنتاج المكانة عملية مستمرة تحتاج إلى إدارة للصورة وإلى مراقبة مستمرة لنظرة الآخرين وهذا يخلق ضغطا نفسيا واجتماعيا لا يمكن تجاهله خاصة لدى الشباب الذين يعيشون في بيئة رقمية تقارن بينهم باستمرار.

لكن يجب أيضا الحذر من المبالغة في القول إن المجتمع الجزائري انتقل بالكامل من تقدير العلم والعمل إلى تقدير المال والمظاهر فهذا التوصيف سيكون تبسيطا غير دقيق فالمجتمع لا يزال يمنح الطبيب والأستاذ والمهندس والقاضي والباحث وغيرهم مكانة رمزية مهمة كما أن الأسر ما زالت تستثمر بقوة في تعليم أبنائها لأن الشهادة لا تزال تمثل موردا مهما للحراك الاجتماعي.

المسألة إذن ليست استبدالا وإنما إعادة تركيب لمصادر المكانة فالمال أصبح أكثر أهمية والتعليم ما زال مهما والعلاقات الاجتماعية ما زالت مؤثرة والمهنة ما زالت تمنح الاعتراف والفضاء الرقمي أضاف مصدرا جديدا للرمزية.

يمكن القول إننا انتقلنا من نموذج أكثر بساطة للمكانة إلى نموذج هجين ومتعدد فالفرد المعاصر لا يحتل مكانته بسبب عامل واحد وإنما بسبب مزيج من الموارد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والرمزية والرقمية.

وهذا التحول يحمل آثارا مهمة على المجتمع لأنه يعيد تعريف النجاح نفسه فإذا كان النجاح في مرحلة سابقة يعني الحصول على شهادة ثم وظيفة مستقرة فإن النجاح اليوم قد يعني امتلاك المال والاستقلال الاقتصادي والسفر وامتلاك منزل وسيارة والقدرة على الاستهلاك والحضور الرقمي وكلما تعددت تعريفات النجاح زادت أيضا الفوارق بين الأجيال.

فالآباء قد ينظرون إلى الاستقرار الوظيفي باعتباره قمة النجاح بينما ينظر الأبناء إلى الحرية المالية أو المشروع الخاص أو الهجرة أو الشهرة الرقمية باعتبارها علامات النجاح الحقيقي.

وهنا يظهر الصراع الثقافي بين منظومتين للقيمة منظومة ترى المكانة نتيجة للتعليم والعمل والانضباط ومنظومة أخرى ترى المكانة نتيجة للقدرة على تحقيق الذات اقتصاديا واستهلاكيا ورقميا.

ولا يمكن فصل هذا الصراع عن التحولات العالمية التي جعلت المال والصورة والاستهلاك جزءا أساسيا من الثقافة المعاصرة لكنه يأخذ في الجزائر شكلا خاصا بسبب تأثير الأسرة والقرابة والمدينة والحي والجامعة والعمل والهجرة في تحديد معنى النجاح.

إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذا التحول هو أن يصبح الإنسان مقاسا بما يملك لا بما يعرف أو ينتج أو يقدم للمجتمع فحين تصبح السيارة أقوى من الشهادة والهاتف أقوى من المعرفة والمظهر أقوى من الكفاءة فإن المجتمع لا يغير فقط أدواته وإنما يغير منظومته الرمزية.

لكن الوجه الآخر لهذا التحول أن المال والاستهلاك ليسا شرا في ذاتهما فارتفاع مستوى المعيشة وتحسن القدرة على الاستهلاك يمكن أن يكونا مؤشرين على تحسن الرفاه الاجتماعي كما أن امتلاك الموارد الاقتصادية يمنح الفرد استقلالا وقدرة على تحقيق خياراته ولذلك لا ينبغي للسوسيولوجي أن يدين الاستهلاك بل أن يفهم المعنى الاجتماعي الذي ينتجه الناس من خلاله.

السؤال الحقيقي إذن ليس هل أصبح الجزائريون أكثر استهلاكا وإنما ماذا يعني الاستهلاك بالنسبة إليهم وكيف يتحول إلى لغة للتعبير عن الذات وكيف تستخدم الممتلكات لإنتاج الفوارق الاجتماعية وكيف تتغير معايير الاحترام والاعتراف تبعا لذلك.

إن تغير مفهوم المكانة الاجتماعية يكشف في النهاية عن تحول أعمق في بنية المجتمع الجزائري نفسه فالمكانة لم تعد شيئا يمنح للفرد بصورة ثابتة وإنما أصبحت مشروعا يجب أن ينتجه ويحافظ عليه ويعرضه باستمرار وفي الماضي كان الموقع العائلي أو المهنة أو الشهادة قادرا على منح الفرد اعترافا نسبيا ومستقرا أما اليوم فأصبح الفرد مطالبا بإثبات نجاحه من خلال مجموعة من العلامات التي تتغير بسرعة.

ومن هنا يمكن القول إن المجتمع الجزائري يعيش انتقالا من مكانة تقوم على الانتماء والوظيفة والشهادة إلى مكانة أكثر تركيبًا تقوم على تفاعل المال والتعليم والمهنة والعلاقات والاستهلاك والصورة الرقمية وهذا الانتقال لا يعني نهاية المكانة التقليدية وإنما إعادة تشكيلها داخل شروط اجتماعية جديدة.

إن المكانة الاجتماعية اليوم أصبحت أشبه بلغة متعددة الرموز فالمال يتحدث من خلال الاستهلاك والتعليم يتحدث من خلال الشهادة والمهنة تتحدث من خلال الموقع الوظيفي والعلاقات تتحدث من خلال القدرة على الوصول والصورة الرقمية تتحدث من خلال عدد المتابعين والتفاعل.

وبالتالي فإن المجتمع الجزائري لا يعيش مجرد تحول في طريقة الاستهلاك وإنما يعيش تحولا في طريقة رؤية الإنسان للإنسان وفي الطريقة التي يبحث بها الفرد عن الاعتراف وفي الطريقة التي تقيس بها الجماعة النجاح والفشل.

ولعل أخطر سؤال سوسيولوجي يمكن طرحه في النهاية هو ماذا يحدث عندما يصبح الاعتراف الاجتماعي مرتبطا بالقدرة على إظهار ما نملك أكثر من ارتباطه بما نعرفه وما ننتجه وما نقدمه للآخرين.

فالتحول الحقيقي ليس من العلم إلى المال ولا من المهنة إلى المظاهر بصورة مطلقة وإنما من مكانة كانت تعتمد بدرجة أكبر على الإنجاز والانتماء والموقع المهني إلى مكانة أصبحت تتشكل بصورة متزايدة من القدرة على تحويل الموارد المختلفة إلى علامات مرئية للنجاح.

وفي هذا السياق يصبح المجتمع أمام تحد ثقافي عميق يتمثل في إعادة التوازن بين قيمة الإنسان وقيمة ما يملك وبين الكفاءة والصورة وبين الإنتاج والاستهلاك وبين المعرفة والقدرة الاقتصادية.

وعليه فإن السؤال حول تغير المكانة الاجتماعية في الجزائر ليس سؤالا عن السيارات أو الملابس أو الهواتف أو الأعراس بقدر ما هو سؤال عن التحول في منظومة القيم نفسها وعن الكيفية التي يعيد بها المجتمع تعريف الإنسان الناجح والمحترم والمؤثر


لقد تغيرت الأشياء التي نعرضها أمام الآخرين لكن الأعمق من ذلك أن معنى الاعتراف نفسه يتغير فالإنسان لا يريد فقط أن يمتلك وإنما يريد أن يرى الآخرون امتلاكه وأن يعترفوا بنجاحه وهنا تحديدا تكمن القيمة السوسيولوجية لدراسة المكانة الاجتماعية فهي تكشف كيف يتحول المال إلى رمز وكيف يتحول الاستهلاك إلى لغة وكيف يتحول المظهر إلى هوية وكيف يصبح الاعتراف الاجتماعي واحدا من أهم المحركات الخفية للسلوك اليومي.

وفي النهاية يمكن القول إن الجزائر لا تنتقل ببساطة من مجتمع يقدس العلم والعمل إلى مجتمع يقدس المال والمظاهر بل تنتقل من نظام رمزي بسيط نسبيا للمكانة إلى نظام أكثر تعقيدا تتعايش داخله الشهادة والثروة والمهنة والعائلة والعلاقات والاستهلاك والصورة الرقمية إن التحدي أمام المجتمع ليس في أن يستهلك أو يمتلك وإنما في ألا تتحول الأشياء التي نملكها إلى معيار وحيد لقيمة الإنسان لأن المجتمع الذي يقيس الإنسان بما يملك فقط يخاطر بأن يفقد القدرة على رؤية ما ينتجه الإنسان من معرفة وكفاءة وأخلاق وخدمة اجتماعية ورأسمال ثقافي وإنساني.

وبذلك تصبح دراسة تغير المكانة الاجتماعية مدخلا لفهم التحولات الأعمق في المجتمع الجزائري لأنها تسمح لنا بقراءة التحول في القيم والطبقات والحراك الاجتماعي وأنماط الاستهلاك والعلاقات الأسرية والثقافة الرقمية وحتى تصور الأفراد لمعنى النجاح والمستقبل فالمكانة الاجتماعية ليست مجرد موقع على سلم اجتماعي وإنما هي مرآة تكشف ما يعتبره المجتمع جديرا بالاحترام وما يعتبره نجاحا وما يريد أفراده أن يكونوا عليه



إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم