هل أصبح الفيسبوك أقوى من القانون؟
السلطة الاجتماعية للمنصة الرقمية وإعادة تشكيل الرأي العام في الجزائر.
بقلم :بوخالفة كريم - باحث في علم الاجتماع
مقدمة :
لم يعد السؤال عن مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر سؤالا تقنيا يتعلق بكيفية استعمال الهاتف أو سرعة تداول الأخبار بل أصبح سؤالا سوسيولوجيا يتعلق بمصدر السلطة نفسه ومن يملك القدرة على تعريف الحقيقة ومن يملك حق إصدار الحكم ومن يستطيع أن يمنح شخصا ما شرعية اجتماعية أو يسلبها منه ففي المجتمع التقليدي كانت عملية تشكيل الرأي العام تمر بدرجة أكبر عبر الأسرة والمدرسة والمسجد والحزب والنقابة والصحافة والتلفزيون والحي وشبكات العلاقات الاجتماعية المباشرة أما اليوم فقد ظهر فاعل جديد لا يملك بالضرورة صفة قانونية أو سياسية أو علمية لكنه يستطيع في غضون ساعات أن يصنع قضية وطنية من واقعة محلية وأن يحول شخصا مجهولا إلى شخصية عامة أو يحول اتهاما غير مثبت إلى حقيقة متداولة في الوعي الجمعي.
وتكشف أرقام الاستعمال الرقمي حجم هذا التحول فبحسب بيانات DataReportal بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر نحو 27.5 مليون في أكتوبر 2025 وكانت بيانات أدوات Meta الإعلانية تشير إلى إمكانية وصول فيسبوك إلى نحو 27.5 مليون مستخدم أي ما يعادل 57.7 بالمائة من السكان مع وصول تقديري إلى 88.7 بالمائة من البالغين الذين تبلغ أعمارهم 18 سنة فأكثر وهذه الأرقام لا تعني بالضرورة عدد المستخدمين الفعليين الفريدين لكنها تكشف اتساع المجال الاجتماعي الذي تستطيع المنصة الوصول إليه.
ومن هنا تبدأ المشكلة السوسيولوجية الحقيقية فالقانون يحتاج إلى التحقيق والتحقق وسماع الأطراف وفحص الأدلة واحترام الإجراءات أما فيسبوك فيحتاج أحيانا إلى صورة واحدة وعنوان مثير وفيديو قصير وشخص قادر على جمع التفاعل ولهذا فإن السؤال هل أصبح الفيسبوك أقوى من القانون لا ينبغي أن يفهم حرفيا فالفيسبوك ليس سلطة قضائية ولا يستطيع قانونيا أن يلغي حكم محكمة لكن يمكن القول إن الفيسبوك أصبح في بعض الحالات أقوى من القانون في إنتاج الحكم الاجتماعي الأولي أي في تشكيل الانطباع الذي يصل إلى الناس قبل أن تصل إليهم الحقيقة القضائية وهذه مسألة مختلفة تماما.
1-من سلطة القانون إلى سلطة التفاعل:
القانون يستمد سلطته من المؤسسة ومن الدستور والتشريع والقضاء وأجهزة الدولة والإجراءات الرسمية أما المنصة الرقمية فتستمد قوتها من شيء مختلف وهو الانتباه ففي البيئة الرقمية لا يصبح المنشور قويا لأنه صحيح بل قد يصبح صحيحا اجتماعيا في نظر الجمهور لأنه مرئي ومتداول وهنا يظهر تحول عميق في طبيعة السلطة فقد كانت السلطة في الماضي مرتبطة إلى حد كبير بمن يملك المنصب أو المؤسسة أو الصحيفة أو التلفزيون أما اليوم فقد أصبحت هناك سلطة جديدة يمكن تسميتها سلطة الانتشار.
فشخص لا يحمل أي صفة قانونية يمكنه أن ينشر فيديو يشاهده مئات الآلاف وقد تكون معلوماته ناقصة أو منحازة أو غير موثقة ومع ذلك يتحول محتواه إلى مرجع جماهيري ومن منظور بيير بورديو يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال مفهوم الرأسمال الرمزي فالمؤثر لا يمتلك بالضرورة معرفة متخصصة أو سلطة قانونية لكنه يمتلك رأسمالا رمزيا يتكون من عدد المتابعين والانتشار والقدرة على جذب الانتباه وثقة الجمهور وهكذا أصبح لدينا نوع جديد من القوة يتمثل في أن عدد المتابعين يخلق الثقة والثقة تخلق التأثير والتأثير يصنع الرأي والرأي قد يتحول إلى ضغط اجتماعي.
المشكلة أن الجمهور قد يخلط بين الشعبية والكفاءة فالذي يتابعه مليون شخص ليس بالضرورة أكثر علما ممن يتابعه ألف شخص والذي يستطيع أن يجعل فيديوه ينتشر ليس بالضرورة قادرا على تفسير القضية التي يتحدث عنها وهنا يصبح المجتمع أمام انقلاب في معيار الاعتراف فلم يعد السؤال دائما هل ما يقوله صحيح بل أصبح أحيانا كم شخصا صدقه وهذا انتقال من منطق الحقيقة إلى منطق الانتشار
2-الجزائر والمجال العام الرقمي:
يمكن فهم صعود فيسبوك في الجزائر في إطار التحول الذي عرفه المجال العام فقد أصبحت المنصة مساحة يناقش فيها الجزائريون السياسة والأسعار والجامعة والصحة والرياضة والدين والهوية والخدمات العمومية والفساد والإدارة والحياة اليومية وقد أظهرت دراسات جزائرية أن فيسبوك لم يعد مجرد وسيلة اتصال وإنما أصبح فضاء لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية وأنماط التعبير والمشاركة فقد بحثت دراسة منشورة بجامعة المسيلة سنة 2024 التحولات السوسيولوجية المرتبطة باستخدام فيسبوك على عينة من 470 فردا وخلصت إلى ارتباط الاستخدام بإشباعات اجتماعية ونفسية وترفيهية وتحولات في طرق التفاعل الاجتماعي.
وهذا يعني أننا لا نتعامل مع موقع إلكتروني فحسب بل أمام مؤسسة اجتماعية غير رسمية والمؤسسة الاجتماعية ليست بالضرورة بناية أو إدارة فالمؤسسة هي أيضا مجموعة من القواعد والتوقعات والأدوار التي تنظم سلوك الناس وعندما يبدأ الناس في الرجوع إلى فيسبوك لمعرفة ماذا حدث ومن المخطئ ومن يستحق العقوبة ومن يجب أن نصدقه فإن المنصة تبدأ في أداء وظيفة كانت تؤديها مؤسسات أخرى وهنا تكمن الخطورة.
3- الحراك الجزائري عندما أصبح الهاتف جزءا من الفعل السياسي:
من أهم الأمثلة الجزائرية على قوة المجال الرقمي الحراك الشعبي الذي بدأ في فبراير 2019 ولم يكن فيسبوك هو الذي صنع وحده الحراك فالحراك نتاج أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وتاريخية عميقة لكن وسائل التواصل ساهمت في سرعة الاتصال وتبادل الصور والفيديوهات وتنسيق المعلومات وصناعة الرموز والشعارات وإنتاج نقاش سياسي خارج القنوات التقليدية وتشير دراسة سوسيولسانية منشورة في مجلة Aleph إلى أن الحراك تجسد بقوة في الفضاء الافتراضي وخاصة فيسبوك وأن المنشورات الرقمية لعبت دورا في تفعيله وتوجيه النقاش حوله واستمراره.
كما أظهرت دراسة حديثة حول استخدام فيسبوك من طرف الناشطات النسويات الجزائريات خلال سياق الحراك أن المنصة كانت فضاء مهما لتشكيل الجماعات والخطابات لكنها في الوقت نفسه كشفت مشكلة أخرى وهي أن الفضاء الرقمي لا يجمع المجتمع كله بالضرورة وإنما قد يجمع أشخاصا متشابهين في المواقف ويعيد إنتاج الاستقطاب بينهم وبين المختلفين وهنا تظهر مفارقة أساسية فالفيسبوك يستطيع توسيع المجال العام لكنه يستطيع أيضا تجزئته ويمكنه أن يمنح المواطن صوتا لم يكن يمتلكه في وسائل الإعلام التقليدية لكنه يمكنه في الوقت نفسه أن يدفع كل جماعة إلى العيش داخل فقاعة معلوماتية خاصة بها
4-من الحراك إلى الحقيقة المتداولة:
المشكلة لا تكمن في استخدام الشبكات الاجتماعية في المجال السياسي وإنما في أن المعلومة السياسية عندما تدخل منطق المنافسة الرقمية تتحول بسهولة إلى مادة للتعبئة والتلاعب وهذا ظهر بوضوح خلال الحراك فقد أظهرت دراسة جزائرية حول الأخبار الكاذبة وتأثيرها في صناعة الرأي العام خلال الحراك أن هناك أثرا للأخبار الكاذبة المتداولة عبر الشبكات الاجتماعية على الرأي العام في سياق اتسم بالاضطراب السياسي وضبابية المشهد وتراجع الثقة في بعض وسائل الإعلام التقليدية كما رصدت دراسة أخرى أخبارا كاذبة مرتبطة بالحراك من بينها أخبار متداولة حول ترشح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة وأخبار تتعلق بإقالة الفريق أحمد قايد صالح وخلصت إلى أن بعض الأخبار المتداولة كان لها تأثير في مسار الحراك وفي معنويات المتظاهرين.
المهم هنا ليس فقط معرفة ما إذا كانت معلومة معينة صحيحة أو خاطئة وإنما فهم لماذا يصدقها المجتمع وهذه هي النقطة التي تهم السوسيولوجي فالخبر الكاذب لا ينتشر لأن الناس أغبياء كما يقال أحيانا وإنما لأنه يجد بيئة اجتماعية تساعده على الانتشار ومن هذه البيئة ضعف الثقة في بعض المؤسسات والرغبة في الحصول على معلومة سريعة والقلق السياسي والاجتماعي والبحث عن تفسير للأحداث الغامضة والانتماء إلى جماعة تشترك في الموقف نفسه والثقة في الشخص الذي ينقل المعلومة والرغبة في المشاركة وعدم الشعور بالعجز والخلط بين القرب الاجتماعي والحقيقة وهنا تصبح الشائعة نتاجا اجتماعيا وليست مجرد خطأ معلوماتي.
5- كورونا عندما أصبح الخوف وقودا للمعلومة:
ظهر الأمر بصورة أخرى خلال جائحة كوفيد 19 ففي أوقات الأزمات يصبح المجتمع أكثر حاجة إلى المعلومات لكنه في الوقت نفسه يصبح أكثر قابلية لتصديق المعلومات غير المؤكدة لأن الخوف يدفع الإنسان إلى البحث عن أي تفسير وقد درست أبحاث جزائرية تداول الشائعات على مواقع التواصل في سياق الحراك وجائحة كورونا وبينت كيف يمكن للشائعة أن تخترق المجال العام الرقمي وتعيد تشكيل الرأي العام خصوصا في أوقات الأزمات كما أن دراسة تحليلية لصفحات جزائرية مختصة في مكافحة الشائعات رصدت 202 شائعة خلال الفترة من أبريل 2020 إلى مارس 2021 ووجدت أن الشائعات الصحية كانت من أكثر الأنماط تداولا وأن الصور والمعلومات غير الصحيحة والتلاعب بالصور كانت من أبرز أساليب إنتاجها وفي دراسة جزائرية أحدث اعتمدت على تحليل 175 شائعة جرى تكذيبها تبين أن القضايا الاجتماعية والسياسية كانت من أكثر موضوعات الشائعات وأن استخدام الصور وتركيبها أو تقديمها في سياقات مضللة كان من أبرز آليات التضليل.
إذن في لحظة الخوف قد تصبح الصورة أقوى من الوثيقة وقد يصبح الفيديو أقوى من البيان الرسمي وقد يصبح قالوا إن أقوى من تؤكد الجهة المختصة وهنا لا تعود المشكلة في التكنولوجيا وإنما في البنية الثقافية للثقة
6- لماذا يصدق الجزائري المنشور أكثر من البيان أحيانا:
هذه من أهم الأسئلة السوسيولوجية فإذا كانت الدولة تقول شيئا ثم يأتي مواطن عادي بفيديو من هاتفه ويقول شيئا آخر فلماذا قد يصدقه الناس الإجابة ليست بسيطة فالثقة ليست مجرد موقف عقلاني من المعلومات وإنما هي علاقة اجتماعية وقد يثق المواطن في شخص يعرفه أو يتابعه منذ سنوات أكثر مما يثق في مؤسسة لا يشعر بالقرب منها وهنا يمكن استحضار إرفينغ غوفمان وفكرة إدارة الانطباع فالمؤثر الرقمي يقدم نفسه أمام الجمهور بطريقة محسوبة ويتحدث من مكان معين ويستخدم لغة قريبة ويعرض صورا ويظهر في مواقف تبدو عفوية ويقدم نفسه باعتباره صوت المواطن وبذلك لا يبيع المعلومة فقط وإنما يبيع شخصيته بوصفها مصدر المصداقية فتتحول العلاقة من هذه معلومة صحيحة لأن هناك دليلا عليها إلى هذه المعلومة صحيحة لأنني أثق في صاحبها وهذا فرق سوسيولوجي بالغ الأهمية
7-المحكمة الشعبية عندما يسبق الحكم الاجتماعي الحكم القضائي .
هنا نصل إلى أخطر مظاهر الظاهرة فقد تظهر قضية تتعلق بشخص معين فتبدأ الصفحات في تداول اسمه وصورته ثم تبدأ التعليقات ثم الاتهامات ثم الدعوات إلى العقوبة وبعد ساعات يصبح الشخص في الوعي العام مذنبا قبل أن تبدأ المحكمة أصلا في الفصل في القضية وهذه هي المحاكمة الاجتماعية الرقمية وفيها تختفي قاعدة أساسية من قواعد العدالة وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي ففي الفضاء الرقمي يحدث العكس أحيانا فالمتهم مدان اجتماعيا أولا ثم ينتظر الناس من القضاء أن يثبت ما قرروه مسبقا.
وهذا خطر لا يمس المتهم وحده بل يمس المجتمع كله لأن القضاء يعمل بمنطق الأدلة والإجراءات بينما تعمل الجماعة الرقمية غالبا بمنطق العاطفة والسرعة والانتشار فالقاضي يستطيع أن يقول لا تكفي الأدلة أما الجمهور الرقمي فقد يقول لكننا رأينا الفيديو والقاضي يبحث في السياق أما الجمهور فقد يكتفي بثلاثين ثانية والقاضي يسمع الطرفين أما المنصة فقد تعطي الصوت لمن يمتلك قدرة أكبر على الانتشار وهنا يصبح الحكم الاجتماعي أسرع من الحكم القضائي.
8- المفارقة الجزائرية الفايسبوك ليس خارج القانون:
من الخطأ أيضا أن نتصور أن الفضاء الرقمي فضاء خارج القانون فالجزائر لديها منذ 2009 القانون رقم 09 04 الذي يتضمن قواعد خاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها كما صدر القانون 20 05 المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما سنة 2020 كما عرف الإطار القانوني للإعلام تطورات جديدة خلال السنوات الأخيرة وأصبحت الصحافة الإلكترونية خاضعة لتأطير قانوني خاص إلى جانب القواعد المتعلقة بالمحتوى المنشور والحقوق والحريات.
إذن المشكلة ليست أن القانون غائب والمشكلة السوسيولوجية هي أن وجود القانون لا يعني بالضرورة أن الثقافة الاجتماعية للقانون قد أصبحت أقوى من ثقافة الانتشار الرقمي فالقانون قد يكون موجودا في الجريدة الرسمية لكن المواطن يتعامل يوميا مع هاتفه والقانون يحتاج إلى مؤسسة بينما المنشور يحتاج إلى اتصال بالإنترنت والقانون يتحرك بإجراءات أما الخوارزمية فتتحرك بالثواني ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس فقط تشريع الفضاء الرقمي وإنما بناء ثقافة قانونية رقمية.
9- ولكن يجب الحذر من الوجه الآخر للمسألة:
من الخطأ أن ننتقل من نقد المحكمة الشعبية إلى الدفاع عن كل المؤسسات الرسمية دون نقد فالفايسبوك لم يصبح مهما من فراغ لقد نما لأنه سد في بعض الحالات فراغا في الإعلام والمعلومة والتواصل فالمواطن الذي يصور حفرة في الطريق أو انقطاع المياه أو مشكلة في مستشفى أو تجاوزا إداريا ثم ينشرها قد لا يكون بصدد إلغاء القانون بل قد يكون بصدد لفت الانتباه إلى مشكلة لم تجد طريقها إلى المؤسسة وهنا يصبح الفيسبوك أداة للمساءلة الاجتماعية وهذه وظيفة إيجابية فالمواطن يستطيع أن يكشف مشكلة في مؤسسة عمومية ويجمع شهادات ويضغط من أجل الاستجابة ويجعل قضية محلية تصل إلى المسؤولين.
لكن الفرق بين الرقابة الاجتماعية والمحاكمة الشعبية هو الدليل فالرقابة تقول إن هناك واقعة تستحق التحقيق أما المحاكمة الشعبية فتقول لقد عرفنا الحقيقة ولا نحتاج إلى التحقيق وهذا الفرق يجب أن نحافظ عليه لأن المجتمع الديمقراطي لا يحتاج إلى إلغاء الرقابة الشعبية وإنما يحتاج إلى جعلها مرتبطة بالتحقق واحترام حقوق الأفراد.
10- من المؤثر إلى الفاعل الاجتماعي الجديد.
أنتجت الشبكات الاجتماعية فئة اجتماعية جديدة هي المؤثر الرقمي وليس بالضرورة سياسيا ولا صحفيا ولا أكاديميا ولا رجل قانون لكنه لديه جمهور والجمهور في المجتمع الرقمي أصبح مصدرا من مصادر القوة وهذا يفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم النخبة فالنخبة لم تعد فقط من يشغل منصبا رسميا فهناك نخبة إعلامية ونخبة اقتصادية ونخبة سياسية ونخبة ثقافية ونخبة دينية والآن هناك نخبة خوارزمية والأخيرة لا تحصل على قوتها من الانتخابات أو التعيين وإنما من قدرتها على جذب الانتباه.
وهنا يظهر خطر كبير فالخوارزمية لا تكافئ الحقيقة بالضرورة وإنما تكافئ المحتوى القادر على إبقاء المستخدم داخل المنصة ولهذا تميل البيئة الرقمية إلى المحتوى العاطفي والصادم والمثير للجدل أكثر من ميلها إلى التحليل الهادئ فالمنشور الذي يقول هناك قضية معقدة تحتاج إلى دراسة أقل إثارة من منشور يقول فضيحة كبرى انشروا قبل الحذف ومن هنا تصبح العاطفة موردا اقتصاديا ويصبح الغضب والصدمة والخوف أدوات لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار
11- ثقافة الفضيحة في المجتمع الجزائري.
من أكثر التحولات الثقافية خطورة ظهور ما يمكن تسميته اقتصاد الفضيحة فالفضيحة أصبحت محتوى وصورة خاصة ومحادثة شخصية وفيديو من داخل مؤسسة ومشاجرة وخلاف عائلي واتهام بالفساد واتهام أخلاقي وكل ذلك يمكن أن يتحول إلى مادة للانتشار وهنا تتحول خصوصية الإنسان إلى سلعة رمزية ويحدث شيء أخطر وهو أن كلما كان المحتوى أكثر انتهاكا للخصوصية أصبح أحيانا أكثر قابلية للانتشار.
وهذا يعيدنا إلى مفهوم دوركهايم حول الضبط الاجتماعي ولكن بصورة جديدة فالمجتمع كان يمارس الرقابة على أفراده عبر الأسرة والحي والجماعة المحلية أما اليوم فقد ظهر ضبط اجتماعي رقمي أكثر اتساعا وأقل رحمة ففي الماضي قد يعرف أهل الحي خطأ شخص ما أما اليوم فقد يعرفه ملايين الأشخاص وفي الماضي يمكن أن تنتهي الفضيحة بانتهاء الحديث عنها أما اليوم فقد تبقى الصورة والفيديو محفوظين وقابلين لإعادة النشر بعد سنوات أي أن المجتمع الرقمي لا يوسع فقط دائرة الرقابة الاجتماعية بل يوسع ذاكرة الوصمة أيضا
12- الجزائر بين المعريفة والمتابعة.
هناك بعد ثقافي جزائري مهم في فهم هذه الظاهرة فالمجتمع الجزائري مثل مجتمعات كثيرة لا يقوم فقط على العلاقات الرسمية وإنما توجد فيه شبكات من القرابة والصداقة والجيرة والمعريفة والولاءات المحلية وفي العالم الواقعي قد يكون سؤال المواطن من تعرف أما في العالم الرقمي فقد يتحول السؤال إلى من يتابعك ومن يستطيع أن يجعل منشورك ينتشر أي أن الشبكات الاجتماعية لم تلغ منطق الشبكات الاجتماعية القديمة بل أعادت إنتاجه في صورة رقمية.
كانت العلاقات الشخصية تمنح الفرد قوة في الواقع واليوم قد تمنحه الشبكة الرقمية قوة رمزية في الفضاء الافتراضي ولهذا فإن الرقمنة لا تعني بالضرورة الحداثة الاجتماعية فقد نمتلك هاتفا ذكيا ونستخدم أحدث المنصات لكننا نحمل داخلها أحيانا ثقافة اجتماعية قديمة تتمثل في الشخصنة والولاء والتحيز للجماعة وتصديق القريب ورفض المختلف وتفسير الأحداث وفق الانتماء وهنا تكون التكنولوجيا حديثة لكن الحامل الثقافي ليس بالضرورة حديثا.
13- الفيسبوك لا يعكس المجتمع فقط بل يعيد إنتاجه .
من الأخطاء المنهجية القول إن الفيسبوك يعكس رأي الشعب الجزائري فالفيسبوك يعكس جزءا من المجتمع لكنه لا يمثل المجتمع كله فالمستخدمون ليسوا عينة عشوائية من السكان والتفاعل الرقمي لا يساوي الرأي العام الوطني فقد يحصل منشور على مائة ألف إعجاب لكن ذلك لا يعني أن مائة ألف جزائري يؤيدونه ولا يعني أن بقية المجتمع يعارضه بل إن دراسة جزائرية حديثة حول الأخبار المزيفة اعتمدت على 309 مستخدمين لفيسبوك و10 مقابلات مع أساتذة مختصين وجدت أن الثقة في المعلومات المنشورة على فيسبوك كانت في مستوى متوسط لدى 51 بالمائة من المبحوثين مع اعتبار أخبار الأشخاص والأخبار السياسية من أكثر أنواع الأخبار الزائفة انتشارا.
وهذا يؤكد ضرورة التفريق بين الرأي العام الحقيقي والرأي العام الرقمي الظاهر فليس كل من يصمت غير موافق وليس كل من يضغط أعجبني مؤيدا بالمعنى السياسي وليس كل من يشارك منشورا مقتنعا بمضمونه وأحيانا يشارك الناس المنشور لأنهم غاضبون منه أو ساخرون منه أو يريدون فضحه وهنا تصبح أرقام التفاعل نفسها قابلة لسوء التأويل.
14-مقاربات سوسيولوجية لتحليل ظاهرة الفايسبوك.
1. مقاربة بيير بورديو: الفيسبوك كرأسمال رمزي
يمكن فهم قوة المؤثر الرقمي من خلال مفهوم الرأسمال الرمزي عند بورديو، فعدد المتابعين والإعجابات والمشاركات يتحول إلى مصدر للشرعية الاجتماعية وبذلك يصبح الانتشار نفسه نوعًا من القوة، وقد يمنح شخصًا غير متخصص قدرة على التأثير تفوق أحيانًا قدرة الخبير أو المؤسسة هنا لا تعود السلطة مرتبطة بما يعرفه الفرد، بل بقدرته على جعل الآخرين يرون ما يقوله ويسمعونه ويعيدون إنتاجه.
2. مقاربة ميشيل فوكو: السلطة لم تعد فقط فوقية
من منظور فوكو، لا تمارس السلطة فقط من خلال الدولة والقانون، بل تنتشر داخل العلاقات والخطابات اليومية والفيسبوك يمثل نموذجًا واضحًا لهذه السلطة المنتشرة، فالمستخدم يراقب غيره ويعلّق عليه ويصنفه ويدينه، ثم يتحول هو نفسه إلى موضوع للمراقبة. وهكذا يصبح المجتمع كله شبكة من المراقبين والمراقَبين.
3. مقاربة إرفينغ غوفمان: صناعة الصورة والهوية
الفايسبوك فضاء لإدارة الانطباع وصناعة الهوية الاجتماعية الفرد لا يعرض حياته كما هي بالضرورة، وإنما ينتقي ما يريد أن يراه الآخرون. والمؤثر خصوصًا يبني «واجهة» رقمية تمنحه صورة الخبير أو الناشط أو المدافع عن الناس. لذلك قد يصبح الناس أسرى للصورة التي يصنعها الشخص عن نفسه أكثر من حقيقتها الواقعية.
4. مقاربة إميل دوركهايم: الضبط الاجتماعي الرقمي
إذا كان المجتمع التقليدي يمارس الضبط من خلال الأسرة والحي والجماعة والعرف، فإن وسائل التواصل أوجدت شكلًا جديدًا من الضبط الاجتماعي فالخوف من التعليقات والفضيحة والتشهير والعزل الرقمي قد يدفع الفرد إلى تعديل سلوكه. وهنا أصبح «الرأي العام الرقمي» أداة جديدة للعقاب الرمزي.
5. مقاربة ماكس فيبر: انتقال مصادر الشرعية .
كان فيبر يميز بين الشرعية القانونية العقلانية والشرعية التقليدية والكاريزمية ويمكن النظر إلى المؤثر الرقمي باعتباره نموذجًا جديدًا للشرعية الكاريزمية، إذ لا يستمد تأثيره من منصب رسمي وإنما من شخصيته وقدرته على بناء الثقة واستقطاب الجمهور ولذلك يمكن أن يصبح صوته أكثر تأثيرًا من صوت مؤسسة رسمية لدى بعض الفئات.
6. مقاربة التفاعل الرمزي :
المعنى لا يوجد في الحدث وحده وإنما يتشكل من خلال التفاعل حوله فقد يكون الفيديو مجرد واقعة، لكن آلاف التعليقات تعيد تفسيره وتمنحه معنى جديدًا وهكذا لا تنتشر الواقعة فقط، بل ينتشر تفسير الواقعة وقد يصبح التفسير أكثر تأثيرًا من الحقيقة الأصلية.
7. مقاربة مجتمع المخاطر عند أولريش بيك :
في مجتمع المخاطر، يصبح الخوف عنصرًا أساسيًا في تشكيل السلوك وعندما تحدث أزمة صحية أو سياسية أو اقتصادية، يبحث الناس عن تفسير سريع، فتجد الشائعة بيئة خصبة للانتشار لذلك يمكن فهم انتشار الأخبار الكاذبة في الجزائر خلال الحراك وكوفيد-19 بوصفه جزءًا من محاولة المجتمع التعامل مع عدم اليقين.
8. مقاربة مانويل كاستلز: مجتمع الشبكات .
وفق كاستلز، أصبحت القوة في المجتمع الحديث مرتبطة بالقدرة على التحكم في تدفقات المعلومات والشبكات ومن هنا فإن المؤثر أو الصفحة التي تستطيع التحكم في مسار المعلومة تمتلك نوعًا جديدًا من السلطة، لأنها تستطيع تحديد ما الذي يصل إلى الجمهور وما الذي يبقى هامشيًا.
9. مقاربة «المجتمع الاستعراضي لغي ديبور»
يمكن النظر إلى الفيسبوك بوصفه فضاءً يتحول فيه الواقع إلى عرض مستمر القضية التي لا تُصوَّر قد لا تحصل على الاهتمام نفسه الذي تحصل عليه القضية المصورة والمؤثرة بصريًا وهنا يصبح الظهور شرطًا للتأثير، وقد يتحول الإنسان والقضية وحتى المأساة إلى محتوى قابل للاستهلاك.
10 . المقاربة السوسيولوجية الجزائرية: إعادة إنتاج البنى القديمة رقميًا
الأهم في الحالة الجزائرية أن الرقمنة لم تلغِ بالضرورة الثقافة الاجتماعية القديمة، وإنما أعادت إنتاجها داخل فضاء جديد. فـ«المعريفة» قد تتحول إلى شبكة علاقات رقمية، والولاء للجماعة قد يتحول إلى تحيز لصفحة أو مؤثر، والشائعة التقليدية أصبحت تنتقل عبر الهاتف، والضغط الاجتماعي أصبح ضغطًا رقميا. لذلك **لا تعني الرقمنة بالضرورة الحداثة الاجتماعية؛ فقد تكون التكنولوجيا جديدة بينما الثقافة التي تستخدمها قديمة.
ومن هذا نستنتج ان :
الفايسبوك لم ينتزع السلطة من القانون، لكنه كشف أن القانون ليس المصدر الوحيد للسلطة في المجتمع؛ فهناك سلطة رمزية تصنعها الجماعة، وسلطة إعلامية تصنعها المعلومة، وسلطة عاطفية تصنعها الخوارزمية، وسلطة اجتماعية يصنعها الجمهور. ومن هنا تبدأ المشكلة حين تتحول هذه السلطات غير الرسمية من أدوات للتعبير والرقابة إلى أدوات لإنتاج الحقيقة وإصدار الأحكام.
15-هل أصبح الفيسبوك أقوى من القانون إذن ؟
الإجابة الدقيقة هي أن الفيسبوك ليس أقوى من القانون من حيث السلطة القانونية لكنه أصبح في بعض الحالات أقوى من القانون في سرعة صناعة الانطباع والحكم الاجتماعي وهذه نقطة شديدة الأهمية فالقانون يستطيع أن يقول إن شخصا بريء لكن إذا كانت صورته قد انتشرت على أنها صورة مجرم فقد يكون الضرر الاجتماعي قد حدث بالفعل والقانون يستطيع أن يصدر حكما بالبراءة لكن السمعة لا تعاد دائما بحكم قضائي وهنا تظهر إحدى أخطر المفارقات في المجتمع الرقمي وهي أن القضاء يستطيع أن يصحح الحكم القانوني لكنه لا يستطيع دائما أن يمحو الحكم الاجتماعي الذي صنعته الخوارزمية.
ولهذا فإن المسألة ليست مجرد مواجهة بين الفيسبوك والقانون وإنما هي مواجهة بين زمنين مختلفين للسلطة زمن القانون القائم على التحقق والإجراء وزمن الخوارزمية القائم على السرعة والانتباه والتفاعل.
16- المطلوب ليس إسكات الفضاء الرقمي بل رفع مستواه.
الحل ليس إغلاق المجال الرقمي ولا تحويل كل نقد إلى جريمة ولا منح الدولة أو المنصات حق تحديد الحقيقة بصورة مطلقة فذلك قد يؤدي إلى مشكلة أخطر وهي تحويل مكافحة التضليل إلى ذريعة لإسكات النقد المشروع فالمطلوب هو بناء مواطنة رقمية ناضجة تقوم على معرفة الفرق بين الخبر والرأي والاتهام وفهم أن الفيديو ليس بالضرورة دليلا كامل
كاملا وأن الصورة قد تكون مجتزأة أو قديمة أو خارج سياقها ومعرفة أن إعادة النشر ليست فعلا محايدا فقد تجعل الشخص شريكا في نشر معلومة مضللة أو انتهاك خصوصية شخص آخر وأن تتعلم المدارس والجامعات التربية الإعلامية والرقمية بحيث لا يكون المواطن مجرد مستهلك للمعلومة بل قادرا على التحقق منها وأن تتعلم المؤسسات الرسمية بدورها التواصل السريع والشفاف مع المواطنين لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغا بل تملؤه الشائعة وأن يكون تنظيم الفضاء الرقمي متوازنا مع حماية حرية التعبير لأن المجتمع الذي يحارب التضليل بإلغاء النقد لا يبني فضاء صحيا بل يبني صمتا.
خاتمة :
إن قضية الفيسبوك والقانون في الجزائر ليست في جوهرها قضية تقنية ولا قضية تتعلق بمن يملك الهاتف أو بمن يملك القدرة على الوصول إلى أكبر عدد من المتابعين وإنما هي قضية تتعلق بتحول عميق في بنية السلطة الاجتماعية وفي الطريقة التي ينتج بها المجتمع الحقيقة ويمنح الشرعية ويصدر الأحكام ويعيد توزيع القوة الرمزية بين المؤسسات والأفراد ففي السابق كانت الحقيقة الاجتماعية تمر بدرجة أكبر عبر مؤسسات محددة وكان الحكم على الأشخاص والأحداث يخضع لمسارات اجتماعية ومؤسساتية أكثر بطئا أما اليوم فقد أصبحت الخوارزمية طرفا غير مباشر في صناعة الانتباه وفي تحديد ما يظهر وما يختفي وما ينتشر وما ينسى وهذا التحول لا يعني أن التكنولوجيا أصبحت صاحبة القرار النهائي وإنما يعني أن المجتمع نفسه بدأ يمنحها سلطة متزايدة من خلال سلوكه اليومي ومن خلال الطريقة التي يتعامل بها مع المنشور والصورة والفيديو والتعليق وعدد الإعجابات والمشاركات.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود فيسبوك وإنما في تحول المجتمع من مجتمع يبحث عن الحقيقة إلى مجتمع يبحث عن الرواية الأكثر انتشارا ومن مجتمع يحتكم إلى الدليل إلى مجتمع يحتكم إلى الانطباع ومن مجتمع يترك مهمة إصدار الحكم للقضاء إلى مجتمع قد يصدر الحكم قبل أن تبدأ المحكمة عملها فالمنصة الرقمية يمكن أن تكون فضاء للمشاركة والمساءلة وكشف الاختلالات والدفاع عن الحقوق وإيصال صوت المواطن إلى المسؤولين ويمكن أن تكون أيضا فضاء للتشهير والشائعات والتحريض والوصم والتضليل وإعادة إنتاج الاستقطاب ولذلك فإن التكنولوجيا لا تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية ثابتة وإنما تتشكل آثارها وفقا للثقافة الاجتماعية والمؤسسات التي تستخدمها وطريقة تعامل الأفراد معها.
وفي الحالة الجزائرية تبدو المسألة أكثر تعقيدا لأن الفضاء الرقمي دخل إلى مجتمع يحمل تاريخا طويلا من العلاقة المعقدة مع السلطة والمؤسسات والإعلام والثقة والشائعة والمعريفة والوساطة والجماعة والانتماء ولهذا فإن الرقمنة لم تمح هذه البنى وإنما أعادت تشكيلها داخل فضاء جديد فأصبحت المعريفة أحيانا شبكة علاقات رقمية وأصبح المؤثر فاعلا اجتماعيا جديدا وأصبح التفاعل رأسمالا رمزيا وأصبح الغضب مادة للانتشار وأصبحت الفضيحة محتوى وأصبح الهاتف أداة للتوثيق وأداة للتشهير في الوقت نفسه وأصبحت الشائعة قادرة على الانتقال من هاتف إلى آخر قبل أن تتمكن المؤسسة من إنتاج توضيح رسمي.
لذلك فإن بناء مجتمع رقمي سليم لا يتحقق بمجرد سن المزيد من القوانين ولا بمجرد مراقبة المنصات وإنما يحتاج إلى بناء ثقافة اجتماعية جديدة تقوم على النقد والتحقق والمسؤولية والوعي القانوني واحترام الخصوصية والتمييز بين الاتهام والدليل وبين الرأي والحقيقة وبين الرقابة الشعبية والمحاكمة الشعبية وبين حرية التعبير والتحريض والتشهير كما يحتاج إلى مؤسسات أكثر شفافية وسرعة في التواصل لأن المؤسسة التي تصمت في اللحظة التي يبحث فيها المجتمع عن المعلومة تترك المجال لآخرين كي يملؤوا الفراغ بتفسيراتهم وقد تكون تلك التفسيرات صحيحة وقد تكون خاطئة وقد تكون مقصودة للتلاعب.
إن المجتمع الذي يريد حماية القانون لا يستطيع أن يطلب من المواطنين الصمت بل عليه أن يجعلهم أكثر قدرة على الكلام المسؤول والمجتمع الذي يريد مكافحة التضليل لا يستطيع أن يحارب كل رأي مخالف باعتباره تضليلا بل عليه أن يبني أدوات تحقق مستقلة وشفافة والمجتمع الذي يريد حماية العدالة لا ينبغي أن يسمح بأن تتحول المنصات إلى محاكم شعبية تسبق القضاء كما لا ينبغي في المقابل أن يسمح بأن تتحول قوانين مكافحة التضليل إلى وسيلة لإسكات النقد والمساءلة.
وفي النهاية فإن السؤال الحقيقي ليس هل أصبح الفيسبوك أقوى من القانون لأن الفيسبوك لا يملك سلطة قانونية تعلو على سلطة الدولة والقضاء وإنما السؤال الأعمق هو هل أصبحنا نحن نمنح الفيسبوك سلطة اجتماعية أكبر مما ينبغي وهل أصبحنا نصدق ما ينتشر أكثر مما نصدق ما يثبت وهل أصبحنا نحكم على الأشخاص قبل أن نعرف الوقائع وهل أصبحنا نعتبر عدد الإعجابات دليلا على الحقيقة وعدد المشاركات دليلا على الإجماع وعدد المتابعين دليلا على الكفاءة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجتمع ليس أن يصبح الهاتف قادرا على نشر المعلومة بسرعة وإنما أن يصبح الإنسان عاجزا عن التمييز بين المعلومة والرأي وبين الحقيقة والدعاية وبين الدليل والانطباع فإذا فقد المجتمع هذه القدرة فإن المشكلة لن تكون في فيسبوك وحده وإنما في الثقافة التي تستخدمه وفي القيم التي تحكم التفاعل داخله وفي المؤسسات التي يفترض أن توفر الحقيقة والمعلومة والعدالة.
ولهذا فإن المستقبل لا يحتاج إلى مجتمع يخاف من التكنولوجيا ولا إلى دولة تحاول السيطرة على كل ما يقال في الفضاء الرقمي وإنما يحتاج إلى مواطن قادر على التفكير النقدي ومؤسسة قادرة على التواصل وقانون يحمي الحرية ويواجه الاعتداء عليها وقضاء يحتفظ باستقلاله ومجال عام يسمح بالنقد دون أن يتحول إلى فوضى رمزية
فالحداثة ليست أن يكون لكل مواطن هاتف ذكي وإنما أن يمتلك المواطن عقلا نقديا ذكيا والحرية ليست أن يقول الإنسان كل ما يريد دون مسؤولية وإنما أن يستطيع التعبير عن رأيه مع احترام حقوق الآخرين والقانون ليس مجرد نصوص مكتوبة وإنما ثقافة اجتماعية تؤمن بأن الحقيقة لا تحددها الجماعة ولا تصنعها الخوارزمية ولا تقررها الأغلبية الرقمية وإنما يحددها الدليل
والتحقق والعدالة
ولهذا لا ينبغي أن يصبح الفيسبوك محكمة ولا ينبغي أن يصبح الترند بديلا عن الحقيقة ولا ينبغي أن يصبح المؤثر بديلا عن الخبير ولا أن تصبح المشاركة بديلا عن الدليل ولا أن تصبح الجماهير بديلا عن القضاء فالدول لا تبنى بالترند والعدالة لا تقام بعدد الإعجابات والحقيقة لا تصبح حقيقة لأنها انتشرت بل إن المجتمع القوي هو الذي يستطيع أن يستخدم قوة التكنولوجيا دون أن يسمح للتكنولوجيا بأن تعيد تشكيل معاييره الأخلاقية والقانونية على حساب الحقيقة والعدالة والكرامة الإنسانية
وبذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الجزائر ليس فقط كيف تنظم الفضاء الرقمي وإنما كيف تبني ثقافة رقمية تجعل التكنولوجيا أداة لخدمة المجتمع لا بديلا عن مؤسساته وتجعل حرية التعبير قوة للرقابة والمساءلة لا وسيلة للتشهير وتجعل سرعة تداول المعلومات فرصة للمعرفة لا سببا في انهيار الحقيقة وعندما يتحقق هذا التوازن لن يكون السؤال هل الفيسبوك أقوى من القانون بل سيصبح السؤال الأكثر أهمية كيف نجعل التكنولوجيا تعمل داخل دولة القانون لا فوقها.
