نحن نبني مجتمعا ينتقم لا مجتمعا يصلحبقلم :كريم بوخالفة باحث في علم الاجتماع
هناك فرق عميق بين المجتمع الذي يبحث عن العدالة والمجتمع الذي يبحث عن الانتقام وبينهما مسافة حضارية كاملة فالعدالة تريد إصلاح الخلل أما الانتقام فيريد إيلام الفاعل ولذلك قد يتشابهان في العقوبة لكنهما يختلفان في الفلسفة والغاية والنتائج
وللأسف يبدو أن كثيرا من المجتمعات أصبحت تميل تدريجيا إلى بناء ثقافة الانتقام أكثر من بناء ثقافة الإصلاح ولم يعد السؤال المطروح كيف نعالج أسباب الظاهرة بل أصبح السؤال كيف نعاقب من ارتكبها وكأن القضاء على الأشخاص يكفي للقضاء على الظواهر وكأن المجتمع يستطيع أن يحل أزماته بإنتاج مزيد من العقوبات لا بإنتاج مزيد من الفهمإن السوسيولوجيا تعلمنا أن الظاهرة الاجتماعية لا تولد من فراغ ولا تنتجها إرادة فرد واحد بل هي نتيجة تفاعل طويل بين البنية الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية والأسرية ولذلك فإن المجرم ليس بداية القصة بل نهايتها والفساد ليس أول المشكلة بل آخر حلقاتها والعنف ليس السبب بل النتيجة الظاهرة لمسار اجتماعي طويلولهذا فإن المجتمع الذي يكتفي بمعاقبة الفاعلين دون أن يفكك البنية التي أنتجتهم يشبه طبيبا يعالج الحمى ويترك المرض ينمو في الجسد فهو ينجح في إخفاء الأعراض لكنه لا يقترب من مصدر الداءإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول العقوبة إلى غاية في حد ذاتها لا إلى وسيلة للإصلاح فعندما تصبح السجون أماكن لإخفاء المشكلات بدل معالجتها وعندما تتحول الإدارة إلى جهاز للردع أكثر منها جهازا لبناء الثقة وعندما يصبح القانون أداة للانتقام لا لإعادة التوازن فإن المجتمع يبدأ في إعادة إنتاج الأزمات التي يعتقد أنه يحاربها
لقد أدرك علماء الاجتماع أن المؤسسات لا تؤدي وظائفها فقط بما تملكه من سلطة وإنما أيضا بما تنتجه من معنى فإذا فقدت المدرسة قدرتها على التربية تحولت إلى فضاء للنجاح الشكلي وإذا فقدت الأسرة قدرتها على التنشئة تحولت إلى فضاء للتعايش فقط وإذا فقد السجن قدرته على الإصلاح تحول إلى مدرسة للجريمة وإذا فقدت الإدارة قدرتها على الخدمة تحولت إلى جهاز لإدارة الخوفولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا يعود بعض المساجين إلى الجريمة بعد خروجهم بل ماذا تعلموا داخل السجن ولماذا أصبحت بعض المؤسسات تنتج السلوك الذي يفترض أن تمنعه ولماذا يخرج بعضهم أكثر خبرة في الإجرام وأكثر ارتباطا بالشبكات الإجرامية وأكثر قناعة بأن المجتمع لا ينتظر منه سوى الفشلإن المجتمع المنتقم لا يكتفي بمعاقبة الخطأ بل يصنع هوية دائمة للمخطئ فيصبح الإنسان سجينا لماضيه حتى بعد انتهاء عقوبته ويصبح من الصعب عليه أن يجد عملا أو أن يستعيد مكانته أو أن يعيد بناء حياته وهنا تتحول العقوبة المحددة زمنيا إلى عقوبة اجتماعية مفتوحة لا تنتهي بخروجه من السجن وإنما تبدأ بعد خروجهومن هنا تبدأ دائرة خطيرة يعاقب المجتمع الفرد ثم يدفعه بصورة غير مباشرة إلى العودة إلى الجريمة ثم يعاقبه مرة أخرى ثم يعلن أنه انتصر على الجريمة بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاجها في كل دورة جديدةولا يقتصر منطق الانتقام على العدالة الجنائية فقط بل يمتد إلى الإدارة وإلى المدرسة وإلى الأسرة وحتى إلى الفضاء الرقمي فكثير من الإدارات لا تبحث عن تصحيح الخطأ بقدر ما تبحث عن معاقبة صاحبه وكثير من المؤسسات تعتبر الاعتراف بالخطأ ضعفا لا بداية للإصلاح وكثير من العلاقات الاجتماعية أصبحت تقوم على الإقصاء والتشهير أكثر مما تقوم على الاحتواء والتقويمولهذا فإننا نحتاج إلى الانتقال من ثقافة البحث عن المذنب إلى ثقافة البحث عن الأسباب ومن محاكمة الأشخاص إلى محاكمة البنى ومن إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى منعها قبل أن تولد فالسياسات الحديثة لا تقاس بعدد السجون ولا بقسوة العقوبات وإنما بقدرتها على تقليص الحاجة إلى العقوبة أصلاإن أكثر المجتمعات تقدما ليست تلك التي تعاقب أكثر وإنما تلك التي تنتج أقل قدر من الانحراف لأنها استثمرت في المدرسة قبل السجن وفي العدالة الاجتماعية قبل الردع وفي الثقة قبل الرقابة وفي الوقاية قبل العقوبةولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يقلقنا ليس كم شخصا عاقبنا بل كم ظاهرة منعنا من الظهور وكم إنسانا أنقذنا قبل أن يتحول إلى مشكلة اجتماعيةفالمجتمع الذي يبني مؤسساته على الانتقام يظل يدور في الحلقة نفسها أما المجتمع الذي يبنيها على الإصلاح فإنه لا يعالج الماضي فقط بل يصنع مستقبلا مختلفاولعل أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن نعتقد أن الانتقام هو العدالة وأن الردع وحده هو الإصلاح لأن المجتمع الذي يفقد القدرة على إصلاح أفراده سيجد نفسه مضطرا إلى معاقبتهم إلى ما لا نهاية بينما المجتمع الذي يفهم الإنسان قبل أن يدينه لا يحمي الفرد فقط بل يحمي نفسه أيضا من إعادة إنتاج أزماته جيلا بعد جيل.
