التنشئة الاسرية الحديثة : مسارات جديدة في بناء الإنسان والمجتمع

 التنشئة الاسرية الحديثة : مسارات جديدة في بناء الإنسان والمجتمع



دراسة تحليلية لمعطيات الواقع

بقلم : زروالي قطر الندى باحثة سوسيولوجية

أولا : الأسرة في مهب التغيير كيف تشكل التنشئة الحديثة

في خصم التحولات الإجتماعية و الثقافية المتسارعة التي يعرفها العالم اليوم ، لم تعد الأسرة إطارا تقليديا مغلق يحتكر وظائف التربية والتنشئة ، بل أضحت جزءا من منظومة إجتماعية مفتوحة تتقاسم فيها الأدوار مع المدرسة والإعلام والفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي وهكذا برز مفهوم التنشئة الاسرية الحديثة كأحد أهم مظاهر التحول في البناء الإجتماعي للأسرة المعاصرة.

ثانيا : من السلطة إلى الشراكة: تغيير القيم والادوار

شهدت الأسرة المعاصرة تغييرات جوهرية في بنيتها القيمية ، حيث إنحسر النموذج السلطوي القائم على الهيمنة ليحل محله نموذج تشاركي يقوم على تقاسم المسوؤليات بين الوالدين ، وإشتراك الأبناء في بعض الشؤون الأسرية مع إنتقال السلطة الأبوية من منطق الأوامر إلى منطق الحوار والإقناع

ثالثا : العالم الرقمي : شريك جديد في صناعة القيم

أضحت الوسائل الرقمية عنصرا أساسي في عملية التنشئة الاسرية ، بعد ما فقدت الأسرة إحتكارها لمصادر التأثير التربوية ، فقد أصبح الطفل يتلقى قيمه ومعاييره من مصادر متعددة تتصدرها الشاشات الذكية والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي مما أدى إلى ظهور تحديات جديدة أبرزها تنشيط المرجعيات الثقافية ، صعوبة ضبط التأثيرات الخارجية وإتساع الفجوة بين القيم الأسرية والرقمية المتداولة

رابعا : بين البنات والتهديد

تفتح التنشىئة الأسرية الحديثة آفاقا واسعة امام بناء شخصية متوازنة ومنفتحة ، قادرة على الحوار والتفاعل الإيجابي مع الأخر ، غير انها في المقابل تفرز تحديات حقيقية من أبرزها تراجع آليات الضبط الإجتماعي ، ضعف الرقابة الأسرية وإضطراب المرجعيات القيمية لدى الأطفال والمراهقين خاصة في ظل غياب رؤية تربوية واضحة داخل الفضاء الأسري

خامسا : نحو نموذج أسري متكامل

لا تتمثل التحديات في القطيعة مع الحداثة او الإرتهاق الاعمى للتقاليد بل في صياغة نموذج تنشئة أسرية رشيدة قادرة على التوفيق بين الثوابت والمتغيرات من خلال ترسيخ القيم الأصيلة والإنفتاح الواعي على الثقافات إضافة إلى التربية الرقمية المسؤولة مع تدعيم ثقافة الحوار داخل الأسرة


لم تعد التنشئة الاسرية الحديثة مجرد تغيير في ادوات التربية بل أصبحت تعبيرا عن تحولات عميقة في البنية الإجتماعية للمجتمع ، حيث إنتقلت الأسرة من إطارا مغلق إلى فضاء منفتح متعدد التأثيرات ومنطق السلطة إلى منطق الشراكة ومن تربية تقليدية إلى نسبية تهدف إلى بناء شخصية واعية قادرة على التفاعل مع التحولات دون التفريط في منظومتها القيمية .

إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم