الأستاذ الجامعي بين الالتزام المؤسّسي وتعليم الفكر الحرّ النقدي :جدلية السلطة والمعرفة في الجامعة الحديثة . بقلم أ بوخالفة كريم - سوسيولوجي جزائري

  الأستاذ الجامعي بين الالتزام المؤسّسي وتعليم الفكر الحرّ النقدي :جدلية السلطة والمعرفة في الجامعة الحديثة .

بقلم أ بوخالفة كريم - سوسيولوجي جزائري 



يمثّل الأستاذ الجامعي إحدى أكثر الشخصيات التربوية والتنويرية وقوعًا في منطقة التوتر بين مؤسستين متعارضتين: مؤسسة الدولة بما تحمل من قواعد وانضباط وتوقعات معيارية، ومؤسسة الفكر التي تسعى بطبيعتها إلى التحرر، النقد وخلخلة البداهات هذا التوتر ليس مجرد اختلاف في الأدوار، بل هو صراع هوياتي يعيشه الأستاذ في أعماقه، لأن الجامعة الحديثة، منذ نشأتها، بُنيت على مفارقة: أن تكون فضاءً لتوليد النقد وفي الوقت نفسه جهازًا تنظيميًا يخضع لسلطة الدولة، التمويل، اللوائح، والتقارير الإدارية لذا يعيش الأستاذ الجامعي دائمًا في نقطة مفصلية، ككائن مزدوج الانتماء هو موظّف رسمي، لكنه أيضًا عقل حر يفكر خارج اسوار المؤسسة وتعيش الجامعة اليوم تحت ضغط ثنائية تبدو متعارضة في ظاهرها: من جهة، هي مؤسسة رسمية تخضع لقواعد تنظيمية وإدارية صارمة؛ ومن جهة أخرى، هي فضاء لإنتاج العقل الحرّ الذي لا ينمو إلا في ظل النقد، التساؤل، وتفكيك البديهيات ويقف الأستاذ الجامعي في قلب هذه الثنائية، محاصرًا بين منطق الدولة ومنطق الفلسفة؛ بين الواجبات البيروقراطية من جهة، ومسؤولية تحرير الفكر من جهة أخرى هذه الجدلية ليست تقنية ولا مهنية فحسب، بل تحمل عمقًا سوسيولوجيًا يكشف موقع الأستاذ بوصفه فاعلًا معرفيًا يعيش داخل شبكة من التوقعات السلطوية والثقافية.

فالجامعة، كما يصفها بيار بورديو، ليست مجرد مكان للتدريس، بل "حقل" له قواعده الخاصة التي توزع الشرعية العلمية وفق رأس مال رمزي: شهادات، منشورات، لغة أكاديمية معيّنة، وانضباط مؤسساتي في هذا السياق، يصبح الأستاذ الملتزم بالقانون موظفًا نموذجيًا، لكنه مهدّد بالتحوّل إلى كائن إداري أكثر منه كائنًا معرفيًا فحين تنحصر وظيفته في ملء الاستمارات، احترام الرزنامة، وإعادة إنتاج المقررات كما هي، تتحول المعرفة إلى بيروقراطية؛ ويختنق الفكر النقدي داخل قوالب تنظيمية جامدة 

لكن مقابل هذا الوجه المؤسساتي، يوجد وجه آخر يفرضه "الضمير المعرفي" للأستاذ؛ وهو واجبه في بناء عقول مستقلة قادرة على مساءلة السلطة وليس فقط استيعابها. فإذا كانت الدولة تحتاج أطرًا تقنية، فإن المجتمع يحتاج مواطنين قادرين على الفهم، النقد، والإبداع. وتعليم الفكر الحرّ ليس موقفًا سياسيًا، بل ضرورة تربوية تسمح للجامعة بأن تظل فضاءً للمعنى لا مجرد جهاز لإنتاج الشهادات ومن هنا تنشأ حساسية الصراع: فالفكر النقدي يحرّض على مساءلة القواعد ذاتها، والالتزام الصارم بالقواعد يقتل جذوة النقد.

من الناحية السوسيولوجية، يَبرز هذا التوتر داخل ما يسميه بورديو الحقل الأكاديمي باعتباره ميدانًا تُوزّع داخله السلطة المعرفية وفق قواعد خاصة فالأستاذ الذي يلتزم حرفيًا بالقوانين والإجراءات يجد نفسه أحيانًا متوافقًا مع متطلبات المؤسسة لكنه فاقد للجرأة النقدية، لأنه يصبح أسير "البيروقراطية الرمزية" التي تُخضع المعرفة لمنطق النماذج والتقارير بينما الأستاذ الذي يعلم الفكر الحر، ويدفع الطلبة إلى الشكّ والتحليل والتساؤل، يُعد في بعض السياقات موظفًا غير منضبط، لأنه يحرر العقول من الخضوع التلقائي للنظام هكذا يتحول السلوك النقدي من قيمة أكاديمية إلى "تهديد بيروقراطي"، فتُصبح الحرية مساحة محفوفة بالشبهات 

وتتعمق الإشكالية في السياقات العربية، والجزائرية خصوصًا، حيث لا تزال الجامعة تعيش تحت ثقل تاريخ سياسي جعلها أداة للترقية الاجتماعية أكثر من كونها مختبرًا للعقل هنا، ينظر المجتمع إلى الأستاذ بوصفه موظفًا ذا هيبة، بينما ينظر هو إلى نفسه بوصفه صاحب رسالة لكن المؤسسة لا تحتمل هذا الخطاب النقدي إلا حين لا يصطدم بالبنية القائمة فالأستاذ الذي يعلّم الفكر النقدي الحقيقي لا يكتفي بتعليم مهارات تحليل النصوص، بل يعلّم القدرة على مساءلة السلطة، البيروقراطية، الأخلاق، والمعنى ذاته. الجامعة، وهي جهاز دولة، لا تستطيع دومًا احتضان هذا النمط من الحرية دون خوف من اهتزاز النسق.

وتؤكّد معظم الدراسات التي تناولت واقع الجامعة الجزائرية أنّ أحد المفاتيح الجوهرية لفهم إخفاقها يكمن في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتمكينها من أداء دورها الفعلي، سواء في إنتاج المعرفة أو في تكوين الفاعل الاجتماعي القادر على صناعة المعنى فحين نتأمّل حقول العلوم الاجتماعية على وجه الخصوص، ندرك أنها يمكن أن تُنتج أنماطًا من الفاعلين القادرين على تغيير المجال العمومي: المثقّف الملتزم، القائد النقابي، الفاعل السياسي الذي يعيش «من أجل السياسة» لا «من السياسة»، الإعلامي الثوري، وصانع الرأي العام غير أنّ هذا الإمكان تمّت محاصرته بفعل السيطرة السياسية على الجامعة، بحيث تحوّلت إلى «جامعة السلطة» بدل أن تكون «سلطة الجامعة» كما يفترضه استقلالها المؤسسي ولهذا ربطت العديد من التحليلات بين علاقة المثقّف بالسياسي وبين صلة الجامعة بالسلطة، معتبرة أن غياب الإنتاج النوعي للطالب ليس ناتجًا عن ضعف فردي أو قصور معرفي، بل عن منظومة ثقافية ومؤسسية تُعيد إنتاج الامتثال بدل الجرأة، والطاعة بدل النقد، والاستهلاك بدل التفكير فالسلطة السياسية، في تصور هذه الدراسات، تعاملت مع الجامعة بوصفها جهازًا إداريًا يمكن ضبطه، لا بوصفها فضاءً معرفيًا مستقلًا يمكن أن ينتج فاعلين مزعجين أو محرّضين على السؤال ومشككين في النظام ودعاة للفتنة احيانا !

وعلى نحو موازٍ، تذهب دراسات أخرى إلى أن الإخفاق لا يعود فقط إلى علاقة الجامعة بالسلطة، بل إلى فشل فلسفة التعليم العالي والبحث العلمي ذاتها، بل إلى غياب فلسفة واضحة بالأساس فالمناهج المستوردة التي نُقلت دون تمحيص، ودون بناء قانون معرفي لنقلها وتأويلها، أدّت إلى غياب رؤية بيداغوجية تمتلك جذورها في الواقع الاجتماعي والثقافي للبلاد وهكذا وجد الطالب نفسه يتعلّم ضمن نظام لا يعرف إلى أين يتجه، ولا لماذا يتجه، مما أنتج معرفة بلا روح، وتعلّمًا بلا مشروع

كما تشير مقاربات أخرى إلى أن الجامعة الجزائرية لم تستطع مواكبة تحولات العصرخاصة التحولات المرتبطة بمفهوم «مجتمع المعرفة» و«اقتصاد المعلوماتية» فالنظام الاقتصادي الريعي شجّع نشوء «ثقافة الاستهلاك» التي تسلّلت إلى الحقل الأكاديمي، فحلّ منطق الانتفاع والبحث عن الشهادة محلّ منطق الإبداع والإنتاج ومع تمدّد هذه الثقافة الاستهلاكية، انكمشت روح البحث، وتراجعت مكانة العقل المبدع، وأصبحت الجامعة أقرب إلى جهاز يُعيد إنتاج الخبرة الدنيا بدل أن يكون مصنعًا للابتكار.

وهكذا يتشكّل عبر هذه التحليلات المتنوعة فهم أعمق لإخفاق الجامعة الجزائرية: ليس إخفاقًا تقنيًا ولا معرفيًا فحسب، بل إخفاق حضاري نتج عن تداخل السلطة بالمعرفة، وعن غياب فلسفة تعليمية واضحة، وعن هيمنة ثقافة ريعية قاتلة للخيال الإبداعي وهذا الفهم ينسجم تمامًا مع جدلية الأستاذ الجامعي بين التزامه نحو المؤسسة وتعليمه الفكر الحرّ؛ فجامعة لا تمكّن الأستاذ من الحرية لا يمكنها أن تصنع طالبًا حرًّا، وجامعة أسيرة السلطة لن تنتج إلا معرفة أسيرة بدورها ولن تنتج حتى موظفا كفؤا وهي تدعي انها ستنتج طالبا مقاولا !

وتزداد هذه الجدلية تعقيدًا في السياقات العربية، حيث تمتزج الجامعة بتاريخ من التسييس، المركزية، وثقافة الامتثال هنا يُتوقع من الأستاذ أن يكون موظفًا مطيعًا أكثر من كونه مفكرًا حرًا، وتُعامل المعرفة بوصفها محتوى جاهزًا يُكرَّر، لا تجربة عقلية يُنتَج فيها المعنى ومع ذلك يظل داخل كل أستاذ ما يشبه "القَلَق المعرفي" الذي يدفعه إلى مقاومة هذا الامتثال الناعم، لأن جوهر المهنة ليس في سلطة المنصب، بل في سلطة العقل.

إن التوتر بين الالتزام بما تمليه المؤسسة وتعليم الفكر الحرّ ليس تناقضًا يجب حلّه، بل علاقة يجب إدارتها فالمؤسسة بحاجة للنظام، والأفكار بحاجة للحرية وعظمة الأستاذ لا تظهر في تبنّي أحد الطرفين، بل في قدرته على تجسيد توازن خلاق: التزام يحفظ إطار العمل دون خضوع، وحرية تُمارَس بذكاء دون صدام هنا يصبح الأستاذ مثقفًا مؤسسيًا بالمعنى الذي يقترحه إدوارد سعيد: ليس موظفًا في خدمة السلطة، ولا متمرّدًا خارجها، بل فاعلًا يفكّر من داخل المؤسسة ويعيد توجيهها نحو رسالتها ومهمتها الأصلية.

وعندما ينجح الأستاذ في تحقيق هذا التوازن، يتحول الدرس الجامعي إلى مختبر فكري يتعلم فيه الطلبة كيفية السؤال قبل أن يتعلموا الإجابة، وكيفية بناء العقل قبل الحصول على العلامة ويتحوّل الالتزام المؤسسي من قيد إلى إطار، والفكر الحر من تهديد إلى قيمة وهكذا تستعيد الجامعة معناها: بيتًا للعقل، لا إدارةً للملفات؛ وفضاءً للتكوين الحرّ، لا مصنعًا للامتثال واعادة تدوير لايديولوجية المجتمع الثابتة !

إن الأستاذ الجامعي ليس مجرد وسيط بين المعرفة والطالب، بل هو صانع حسّ حضاري جديد داخل المجتمع، يعلّم أن الفكر لا يكون حرًّا إلا بقدر ما يكون مسؤولًا، وأن المؤسسة لا تكون قوية إلا بقدر ما تسمح للنقد بأن يعيش داخلها وفي زمن تتسارع فيه التقنية وتضيق فيه مساحات التأمل، يصبح الأستاذ آخر حارس للمعنى، وأول من يذكّر بأن المعرفة ليست سلعة، وأن العقل الحر هو آخر أشكال المقاومة الممكنة مع ذلك لا يمكن للأستاذ الجامعي أن يختار أحد القطبين بالكامل فالتخلّي عن الالتزام المؤسسي يقود إلى الفوضى واللا مسؤولية، كما أن الخضوع الكامل للبيروقراطية يقتل جوهر الجامعة. لذلك يُولد ما يمكن تسميته "الالتزام الحر": التزام يعي بالسلطة لكنه لا يستبطنها، ويخضع للنظام دون أن يتحول إلى جزء من آليته الصمّاء هذا الالتزام لا يرفض الواجبات الإدارية، بل يدرك أنها إطار وليس جوهرًا، وأن وظيفته الحقيقية ليست في ملء الوثائق بل في صناعة العقول والتعليم النقدي نفسه ليس دعوة للفوضى، بل إنتاج لذات قادرة على التفكير خارج القطيع وعندما يدرك الأستاذ هذا التوتر بوصفه قدرًا وليس خللًا، يتحول من موظف إلى مثقف داخل المؤسسة فيصبح تدريسه حقلًا للتفاوض بين السلطة والمعنى، بين الواجب والحرية، بين القانون والخيال ويكتشف أن دوره ليس أن يحرّر الطلبة من السلطة، بل أن يحرّرهم من آليات التفكير التي تُعيد إنتاج السلطة داخلهم. فتتحول المحاضرة إلى فضاء يُمارَس فيه النقد دون عداء، والجامعة إلى مكان يتعلم فيه الطالب كيف يُفكّر، لا كيف يُطيع

غير أن هذا النموذج لا يتحقق إلا إذا تحرّر الأستاذ نفسه من "ثقافة الخوف" و"أخلاق الوظيفة" التي تجعل المعرفة شكلية فالحرية النقدية تبدأ عندما يدرك الأستاذ أنه ليس مُطالَبًا بتخريج نسخ متكررة من المعارف، بل بخلق وعي جديد قادر على مواجهة العالم، وأن رسالته لا تكتمل إلا حين يستطيع الطالب أن يخالفه فكريًا دون أن يخشاه

إن الأستاذ الجامعي، في نهاية المطاف، ليس موظفًا ينتج شهادات، ولا ناشطًا يرفض النظام، بل هو وسيط حضاري يقف في نقطة عابرة بين الدولة والمجتمع، بين المؤسسة والفكر، بين السلطة والنقد. وكلما اتسعت قدرته على التوازن بين هذه العوالم، استعاد للجامعة معناها الأصلي: أن تكون بيتًا للعقل، لا ذراعًا بيروقراطية، وأن يكون الأستاذ فيها صانعًا للحرية، لا مجرد حارس للنظام.








إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم