"ثقافة القذارة والمسؤولية الجماعية: قراءة سوسيولوجية في فشل النظافة كممارسة مدنية في الأحياء الجزائرية"
بقلم: أ بوخالفة كريم -سوسيولوجي جزائري
مقدمة:
في كل صباح تُطالعنا الأحياء الجزائرية بمشهد متكرر: أكياس قمامة مبعثرة، فضلات في الشوارع، بقايا مأكولات وأثاث مهمل هنا وهناك. ورغم مرور عمال النظافة باكرًا، إلا أن صورة الحي سرعان ما تعود إلى ما كانت عليه خلال ساعات قليلة. في الخطاب الشعبي، تُحمّل البلدية مسؤولية هذا الواقع، وتُتهم بالتقاعس، بينما يغيب السؤال الجوهري: هل النظافة فعل إداري فقط، أم ممارسة ثقافية جماعية؟
إشكالية المقال
في مشهد يتكرر كل يوم تقريبًا، تمر شاحنات النظافة فجرًا، فتترك الشوارع نظيفة نسبيًا. لكن قبل انتصاف النهار، تعود القاذورات لتنتشر في الأزقة والطرقات وكأن شيئًا لم يحدث. يُحمِّل الناس المسؤولية للبلدية، ويتحول عامل النظافة إلى بطل صامت في معركة خاسرة. لكن السؤال الجوهري هنا ليس تقنيًا أو خدماتيًا، بل ثقافي وسوسيولوجي بامتياز:
لماذا لا يحافظ المواطن على نظافة الحي؟ ولماذا تبدو الدولة عاجزة عن فرض منطق المسؤولية الجماعية؟ وكيف تحوّلت القذارة إلى أحد مظاهر الفشل المزمن في الحوكمة اليومية؟
هذا المقال يسعى إلى قراءة سوسيولوجية وثقافية عميقة لهذا الواقع، رابطًا بين النظافة كمؤشر رمزي، وبين فساد الذهنيات، وانهيار الفضاء العمومي، وعجز المؤسسات، مع تقديم حلول عملية ترتكز على المعالجة الثقافية والاجتماعية لا التقنية فقط.
لماذا تفشل حملات النظافة، وتبقى الأحياء الجزائرية غارقة في الأوساخ رغم مرور عمال البلدية يوميًا؟ ما العلاقة بين الثقافة اليومية، وسلوك الفرد في الفضاء العمومي، وفهمه لمبدأ المسؤولية؟ وهل يمكن إرجاع هذا الفشل إلى غياب الحوكمة وحدها، أم أن البنية الثقافية والاجتماعية تلعب دورًا خفيًا ومحددًا في إعادة إنتاج القذارة كواقع يومي؟
أولًا: النظافة كفعل ثقافي وليس فقط إداري :
من ينظف من؟
إن سؤال "من ينظف الحي؟" لا يُطرح فقط بصيغة تقنية، بل هو سؤال فلسفي عن معنى الانتماء، عن ماهية المواطن، وعن الحدود بين الخاص والعام. فحين ينهار الشعور بالانتماء، تتسخ الأحياء، وتتفكك الجماعة، ويصبح الشارع صورة عن هويتنا الفعلية، لا المتخيلة. النظافة ليست مجرد إزالة للقاذورات، بل إعادة ترميم للضمير الجمعي، ومتى ما انهار هذا الضمير، لن تنفع حتى ألف بلدية.
إن النظافة في الفضاء العمومي ليست مجرد وظيفة تُناط بالمؤسسات البلدية، بل هي سلوك جماعي يرتبط بشكل عميق بالثقافة والقيم الاجتماعية. فالفضاء العمومي في المجتمعات الحديثة هو امتداد للذات، تُمارَس فيه الرقابة الذاتية والتفاعل الإيجابي مع الآخر. لكن في الكثير من السياقات الجزائرية، يُنظر إلى الشارع كمكان لا يخصّ أحدًا، وبالتالي لا يستحق الاحترام أو العناية.
نحن هنا أمام ما يسميه بيير بورديو بـ"الهابيتوس" (habitus)، أي ذلك النسق من السلوكيات المتجذرة واللاشعورية، التي تُعيد إنتاج نفس أنماط الفعل حتى دون وعي. في هذا السياق، يصبح رمي النفايات في الطريق أو في الحدائق سلوكًا عاديًا، لا يُصاحبه أي تأنيب داخلي، لأن "الناس تفعل الشيء نفسه"، و"ليس مكاني حتى أنظفه".
يرى بيير بورديو أن الأفعال اليومية لا تنبع من الوعي العقلاني فقط، بل تتشكل من خلال ما يسمى بـ"الهابيتوس" (Habitus)، أي البنية اللاواعية للعادات والتصرفات المتجذرة ثقافيًا. القذارة في الشارع لا تعني بالضرورة جهلًا بقيمة النظافة، بل تعكس نظامًا من العادات اليومية التي تُعيد إنتاج الفعل القذر وكأنه طبيعي.
وحين تصبح النظافة مرتبطة فقط بـ"البلدية" أو "العامل"، فإننا أمام نوع من التفويض الرمزي للمسؤولية، حيث يَفقد المواطن دوره في إنتاج النظام الجمالي والمعنوي للحي.
حين تتحول النظافة إلى مهمة حصرية للبلدية، فهذا يعني ضمناً أن المواطن قد انسحب من المجال العمومي. النظافة هنا لا تُفهم كواجب مدني، بل كخدمة تجارية. وهذا التصور يعكس فشلًا عميقًا في ترسيخ ما يسميه بيير بورديو بـ"الهابيتوس المدني" أي أنماط التصرف التي تصبح لاواعية نتيجة التربية والعيش الجماعي.
إن رمي النفايات في الشارع، أو عدم استخدام الحاويات، ليس فقط نتيجة غياب الردع، بل هو جزء من نمط عيش ثقافي يُعيد إنتاج ذاته حيث يُنظر إلى المجال العام على أنه "لا يخص أحدًا"، وبالتالي "لا يستحق الاحترام".
كما ينوه بورديو لمشكلة التمايز فهنا تصبح النفايات كأداة للفصل الطبقي حيث يرى بورديو أن التمايز بين الفئات يتم حتى في نظرتهم للجمال والنظافة. في الأحياء الغنية، النظافة دليل على الرقي. في الأحياء الفقيرة، قد يُنظر إلى القذارة كـ"واقع لا مفر منه". ومن هنا، تصبح القمامة مؤشرا طبقيا: كلما كانت المساحات أقل تنظيمًا، كلما كشفت عن فشل مزدوج – في التخطيط الحضري وفي العدالة البيئية.
وهذا يرتبط أيضًا بفشل الحوكمة في معالجة التفاوتات الاجتماعية في تدبير الخدمات، حيث لا تصل النظافة كحق إلى الجميع، بل تتحول إلى امتياز طبقي في بعض الأحيان.
القذارة كشكل من أشكال الفعل الرمزي :
في المجتمعات الحديثة، النظافة ليست فعلًا فرديًا فقط، بل رمز للانتماء الجماعي حينما يرمي الفرد نفاياته عشوائيًا، فإن ما يقوم به يتجاوز الضرر البيئي، ليمس المعنى الرمزي للحيّ، للمدينة، وللجماعة. إننا أمام حالة ما يُسميه بيير بورديو بـ"العنف الرمزي اليومي"، حيث يُمارَس الإهمال كفعل مألوف، ويُطبع في لاوعي الأفراد كشيء عادي، بل ومبرَّر.
فلا أحد يشعر بالخجل من رمي قارورة أو بقايا أكل من نافذة السيارة، لأن البيئة لم تُربِّ فينا تلك "الرقابة الرمزية". بورديو يعتبر أن "الهابيتوس" – أي العادات الذهنية والعملية المتراكمة عبر التنشئة – هو المسؤول عن أفعالنا اليومية حتى عندما نعتقد أننا أحرار. وهذا ما يجعل القذارة "عادة جمعية" لا مجرد قرار فردي.
ثانيًا: فشل التنشئة المدنية وتغيب الرقابة الاجتماعية:
يمكن فهم أزمة النظافة دون ربطها بأزمة التنشئة المدنية في المدرسة، يدرَّس الطفل درسًا نظريًا عن أهمية البيئة، بينما القسم ذاته قد يكون بلا نظافة. في المسجد، يُشدّد على الطهارة الشخصية، دون ربطها بنظافة الحي أو الشارع. الإعلام ينقل صورًا لحملات التنظيف، لكنها مؤقتة، منزوعة الاستمرارية.
هنا تبرز إشكالية الحوكمة الأخلاقية أي غياب استراتيجية جماعية لغرس معنى الانتماء، والمواطنة البيئية. فالمواطن لا يرى أن لديه دورًا في حماية المجال، لأنه لم يُربَّ على هذه الفكرة في أي مرحلة من مراحل حياته.
من خلال المقاربة الوظيفية، يمكن أن نفهم أن كل مؤسسات المجتمع – من العائلة إلى المدرسة – تلعب دورًا في تشكيل مواطن صالح. لكن ما نلاحظه هو أن عملية التنشئة الاجتماعية قد فشلت في نقل قيمة "المسؤولية الجماعية" لدى الأفراد. فالمدرسة، التي يُفترض أن تربي الطفل على احترام البيئة، تمارس في كثير من الأحيان تعليمًا نظريًا معزولًا عن الواقع، بينما المدرسة نفسها قد تكون غير نظيفة أو بلا مراحيض صالحة أو حاويات للقمامة، ما يُفرغ المبدأ من معناه.
في المقابل، نجد أن الرقابة الاجتماعية غائبة. فلا أحد ينبه الآخر على سلوكه السيئ، أو يمنعه من رمي النفايات في غير مكانها. وهذا ما يجعل من القذارة "أمرًا طبيعيًا" ضمن ما يسميه إرفنغ غوفمان بـ"الطابع التفاعلي للسلوكيات اليومية": إذ يتشكل الواقع اليومي بناءً على ما يقبله أو يتغاضى عنه الناس في تفاعلاتهم.
ثالثا :الفضاء العمومي كمجال منتهَك لا مُدار:
الفضاء العام – سواء الشارع أو الحديقة أو الرصيف – فقد رمزيته. في الدولة الحديثة، يُعدّ الفضاء العام مجالًا للتفاعل الحضاري، والتنظيم الجماعي، والاحترام المتبادل. أما في الكثير من الأحياء الجزائرية، فالفضاء العام هو منطقة الفوضى : مكان تُرمى فيه النفايات، ويُكتب على جدرانه، وتُكسر إنارته.
هنا نستحضر إرفنغ غوفمان، الذي يرى أن الحياة اليومية هي مسرح يُؤدى فيه "عرض الذات". لكن هذا العرض يفقد تماسكه حين تغيب الرقابة الاجتماعية، وتنحلّ الأعراف. فما نشهده هو انهيار تام للقواعد الجماعية، ما يجعل من كل سلوك خاطئ أمرًا مقبولًا بالعرف لا بالقانون في تنظيره للفضاء العمومي، يُبرز إرفنغ غوفمان أهمية التفاعل الرمزي في صناعة السلوك الاجتماعي الناس يتصرفون بناء على ما يشاهدونه في تفاعلاتهم اليومية. فإن رأيت الحي متسخًا، لن تشعر بالخجل من رمي شيء إضافي. وهكذا، تتحول القذارة إلى "سلوك متعارف عليه" يُمارَس ضمن منطق التواطؤ الجماعي.
أما تشارلز تايلور فيُعرّف الفضاء العمومي على أنه المجال الذي تتلاقى فيه الذوات لتصنع المعنى الجماعي. حين يفقد هذا الفضاء قداسته، يصبح مجرد "مكان مرور"، لا "مجال مشاركة". وهذا ما نراه بوضوح في العديد من الأحياء الجزائرية: الشارع لا يخص أحدًا، لذلك لا أحد يحميه.
رابعا: الدولة والبلدية ككبش فداء ثقافي:
حين نفتح أعيننا صباحًا على مشهد أكياس القمامة الممزقة، وروائح الفضلات التي تعمّ الحي، نميل بفعل العادة إلى لعن البلدية، والقول المألوف: "ما كاش خدمة، البلدية راقدة". غير أن الحقيقة المؤلمة تكمن في التواطؤ الصامت بين سلوك المواطن وثقافة التنصل من المسؤولية. فحتى عندما تُنظف الشوارع، يُعاد تلويثها خلال ساعات. مما يكشف ليس عن فشل آني للخدمة العمومية، بل عن أزمة عميقة في ثقافة الفضاء المشترك، وعن قصور في التنشئة الاجتماعية والسياسية.
الدولة – ممثلة في البلدية – ليست غائبة تمامًا، لكنها مشلولة ثقافيًا. المواطن لا يرى نفسه شريكًا في إدارة المجال العمومي، بل زبونًا ينتظر الخدمة. في نظره، فإن "المكان ليس بيتي"، وبالتالي، فالمسؤول هو من "يتقاضى راتبًا مقابل التنظيف". وهذا منطق استهلاكي يُقصي المواطن من الفعل الجماعي، ويُحوّل النظافة إلى خدمة تقنية، لا قيمة جماعية.
وهنا نستدعي ماكس فيبرالذي يُحلل الفعل الاجتماعي بوصفه مزيجًا من القيم والعقلانية. فإذا كان الدافع وراء النظافة ليس أخلاقيًا أو قيميًا، بل قائمًا على الخوف أو المصلحة، فإننا أمام أزمة في منظومة القيم التي تحكم علاقتنا بالشارع والدولة
من السهل أن نرمي اللوم على البلدية، لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يعود إلى ما يمكن تسميته بـ"ثقافة التنصل من المسؤولية". المواطن لا يرى نفسه طرفًا في الحفاظ على نظافة الحي، بل يراها "خدمة مدفوعة" يجب على الدولة أن تقدمها، حتى وإن تكرّر تخريبها من طرف السكان أنفسهم.
هنا نعود إلى تصور ماكس فيبر حول الفعل الاجتماعي، الذي يبيّن كيف أن الأفعال لا تُبنى فقط على العقلانية، بل أيضًا على القيم والتقاليد. وبهذا، فإن من يرمي القاذورات في الشارع لا يفعل ذلك لأنه يجهل خطورة التلوث، بل لأن سلوكه نابع من نظام قيمي لا يرى في الفضاء العام شيئًا يستحق الاحترام أو الانتماء.
خامسا: البعد الثقافي للقذارة… أو عندما يصبح الوسخ "عاديًا":
القذارة، في بعض الأحياء، لم تعد تُصدم أحدًا. بل أضحت جزءًا من الديكور اليومي. وهذا ما تصفه ماري دوغلاس في كتابها الطُّهر والخطر حين تشير إلى أن "النجاسة هي كل ما يوجد في غير مكانه". فحين تُصبح القمامة مقبولة في غير موضعها، فإن ذلك يدل على انهيار رمزي في وظيفة النظام الاجتماعي.
بل أكثر من ذلك، فإن فشل النظافة يصبح تمظهرًا للهوة الحضارية بين ما نطمح إليه وما نحن عليه فعليًا. وهي علامة على أن "الدولة الحديثة" و"الثقافة التقليدية" لم تنسج بينهما جسورًا للتماهي.
سادسا :فساد الذهنيات لا يقل خطرًا عن فساد التسيير:
الفساد لا يُقاس فقط بالاختلاسات أو الرشوة، بل يظهر أيضًا في طريقة تدبير الخدمات العامة. حين يُمرَّر عقد نظافة لجهة غير مؤهلة، أو تُشترى معدات لا تعمل، أو يُستخدم عمال مؤقتون بلا تأمين، فإن ذلك ينتج واقعًا يوميًا قذرًا. لكن الأهم من ذلك هو أن الفساد يصبح ثقافة حين يُعتبر "عاديًا" أن لا تُنظف الأحياء، وأن لا يُحاسَب أحد، وأن لا يُشارك المواطن في أي إصلاح.
وهذا ما يجعل من النظافة ملفًا تقاطعيًا بين الحوكمة، والعدالة البيئية، والفساد الإداري، والتنمية البشرية
يرتبط فشل النظافة أيضًا بفساد أعمق من الرشوة: إنه الفساد الثقافي حيث يتواطأ الجميع في الصمت والتبرير. يسكت المعلم حين يرى المدرسة وسخة. يصمت الإمام حين يرى ساحة المسجد ملوثة. لا يحتج المواطن على جاره الذي يرمي النفايات، بل يقول: "هو حر، البلدية تنظف".
وهذا التواطؤ الصامت هو الذي يجعل الفساد الإداري مستدامًا، لأنه يجد في الذهنيات تربة خصبة ، لا مقاومة مدنية. فالفضاء العمومي لا يُراقب اجتماعيًا، لذلك لا يُدار مؤسسيًا بشكل فعال.
سابعا: المثال المقارن – لماذا شوارع الدول الاسكندنافية نظيفة؟
ليست الدولة وحدها من يُنظف، بل الثقافة المجتمعية. في النرويج مثلًا، لن تجد شرطيًا في كل شارع، ولا عامل نظافة في كل زاوية، لكنك تجد وعيًا عميقًا بأن الشارع هو للجميع، وأن رمي القاذورات إساءة للنفس قبل الآخر. تُربى الأجيال على مبدأ "المواطنة الفاعلة"، حيث يُنظر إلى الفرد باعتباره جزءًا من العقد الاجتماعي الذي يتطلب مسؤولية ومشاركة.
في المقابل، في أحياء جزائرية كثيرة، يُرى عامل النظافة على أنه "خادم" أو "عبد نظافة"، بينما "السكان فوق القانون". وهذا الاختلال في تمثلات السلطة والمسؤولية يعكس بعمق فشل الحوكمة الاجتماعية والثقافية، حتى قبل أن نتحدث عن الحوكمة الإدارية.
ثامنا: نحو إعادة تأهيل الفضاء العمومي كفعل رمزي:
لو نظرنا من زاوية المقاربة الرمزية التفاعلية، فإن الفضاء العام ليس مجرد مكان، بل هو مجال للتمثلات والرموز. حين يُصبح الشارع متسخًا، فإن ذلك يُرسل رسالة سلبية عن الجماعة التي تقطنه: "نحن لا نهتم"، "نحن نعيش في الفوضى"، "نحن غير منظمين". وبالتالي، فإن إعادة النظافة ليست فقط تنظيفًا مادّيًا، بل هي ترميم للرمز الجماعي، واستعادة للانتماء المشترك.
وصم عامل النظافة: عنف رمزي وتفكك أخلاقي جماعي:
في المجتمعات التي تُقدّس الطهارة دينيًا وتزدري من يُمارسها عمليًا، تنكشف فجوة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية. عامل النظافة، الذي يُفترض أن يكون رمزًا مدنيًا للأمان البيئي، يُختزل في وصف "الزبّال" ويُقصى رمزيًا من فضاء الاحترام. هنا يعمل العنف الرمزي (بورديو) كأداة غير مرئية تُهمّش الفئات الدنيا وتحوّل عملًا نافعًا إلى وصمة.
وفقًا لـ دوركايم، تنهار الروابط الاجتماعية حين تتفكك القيم الجمعية، وهو ما نراه في الأحياء التي لم تعد تعتبر النظافة مسؤولية جماعية، بل "شغل واحد مسكين". غياب "الضمير الجمعي" يؤدي إلى لا مبالاة جماعية، تبرّر القذارة وتحتقر من يتصدى لها.
أما إرفين غوفمان، فيُبرز كيف يُختزل عامل النظافة في "هوية ملوّثة" اجتماعيًا. هندامه، أدواته، وحتى طريقة نظرات الناس له، كلها تصنع ما يسميه بـ"الوصم"، وهو حكم اجتماعي يجعل العامل يكتسب "هوية منحطّة" رغم نبل مهمته.
النتيجة؟ مجتمع يعيش مفارقة: يرفع شعار "النظافة من الإيمان"، لكنه يحتقر من يجسّدها. يطالب بعصرنة الإدارة، لكنه لا يعترف بأبسط درجات الكرامة لعنصر حيوي في المدينة. وبين الدين والواقع، تبقى النفايات دليلًا على قذارة أعمق: قذارة في المعايير، وفي النظام الرمزي، وفي توزيع الكرامة.
تاسعا: حلول عملية مستندة على معالجة ثقافية لا تقنية فقط:
نحو مشروع لإعادة بناء الحوكمة الثقافية للحي
ما الذي يمكن فعله إذًا؟ إن الحل لا يكون فقط في القوانين، بل في إعادة بناء الحوكمة من الأسفل. أي عبر:
إعادة تعريف الفضاء العمومي كمجال للمشاركة الجماعية.
*إشراك الجمعيات والناشطين في تصميم برامج توعية بيئية دائمة.
تغيير محتوى التربية البيئية من النظري إلى الميداني.
وضع آليات للمساءلة المجتمعية في الأحياء (مثل لجان الحي).
وكحلول عملية نقترح :
دمج مفهوم العدالة البيئيةفي خطاب التنمية المحلية
1. دماج التربية البيئية كمادة تطبيقية في المناهج:
لا يكفي تدريس النظافة نظريًا، بل يجب تحويل كل مؤسسة تربوية إلى فضاء بيئي مصغر.
تنظيف المدرسة من طرف التلاميذ بإشراف الأساتذة أسبوعيًا.
2. إحياء لجان الأحياء وخلق دينامية مدنية محلية:
تشكيل لجان حي بمشاركة السكان، تختص بتنسيق جهود النظافة ومراقبة التسيير.
تخصيص حوافز رمزية لأجمل حي أو أنظف شارع.
3. إلزام المؤسسات الدينية بدور بيئي:
خطب الجمعة تتناول الفضاء العمومي والنظافة من منظور ديني-مدني.
تعبئة المتطوعين عبر الجمعيات المسجدية للمساهمة في الحملات البيئية.
4. توظيف الإعلام الشعبي والتشاركي:
إطلاق حملات توعية شبابية عبر شبكات التواصل.
إنتاج محتوى ساخر أو درامي قصير يظهر الفارق بين الحي النظيف والمتسخ وسلوكيات الناس.
5. تفعيل آليات العقاب التربوي لا الردعي فقط:
غرامات مالية بسيطة ولكن رمزية لكل من يُضبط مخالفًا.
إلزام المخالفين بخدمة ميدانية (كأن ينظفوا ما أفسدوه)، بدل الاكتفاء بالغرامات.
. 6/الرقمنة والذكاء الجماعي:
تطوير تطبيقات تتيح للمواطنين الإبلاغ الفوري عن النقاط السوداء.
إتاحة تقييم أداء البلديات في مجال النظافة بشكل شفاف عبر المنصات الإلكترونية.
خاتمة: لا نظافة بلا ضمير جمعي.
إن نظافة الحي ليست مجرد انعكاس لإرادة البلدية، بل هي مرآة لما نحن عليه كمجتمع. الحي القذر يعكس فشلًا ثقافيًا وأخلاقيًا وتنظيميًا. وحين نفشل في تنظيف الحي، فإننا في الحقيقة نفشل في إدارة أنفسنا. لذلك فإن النظافة، بهذا المعنى، هي أحد أقوى المؤشرات غير المباشرة على نجاح أو فشل الحوكمة. هي الصيغة اليومية التي تعلن فيها الدولة والمجتمع مدى تواطئهما أو تحالفهما في إنتاج حضارة أو تراجعها.
القمامة في الشارع ليست مجرد بقايا عضوية، بل هي بقايا قيم مهدورة، وانهيار حس مشترك. لا يمكن بناء دولة حديثة، أو تحقيق حوكمة فعّالة، أو عصرنة إدارة، ما دامت ذهنيات المواطنين تتعامل مع الشارع على أنه مكان مهمل لا يستحق الاحترام النظافة تبدأ من فكرة الانتماء، من التربية اليومية، من الإحساس بأن "هذا الحي ملكي".
ولذلك، فإن مكافحة القذارة ليست مسؤولية البلدية، بل مشروع جماعي، ثقافي، أخلاقي، رمزي، وسياسي. تمامًا كما أن مكافحة الفساد لا تتم في المحاكم فقط، بل في الحي، والمدرسة، والبيت، والذهن.
النظافة ليست مجرد مظهر خارجي، بل هي مؤشر حضاري وثقافي على طبيعة العلاقة بين الفرد والفضاء العام. فشل الأحياء الجزائرية في الحفاظ على نظافتها يكشف عن أزمة ثقافية عميقة، تتجاوز ضعف البلدية لتطال بنية التنشئة الاجتماعية، وتمثلات المسؤولية، وانهيار الرقابة الاجتماعية. وحدها المواطنة النشطة ودمج مفهوم "الفضاء المشترك" في السلوك اليومي، يمكن أن يُغيّر الواقع. وإلا
، فإن كل تنظيف ستُعيده القاذورات بعد ساعة، لأن القذارة هنا ليست في الشارع فقط، بل في ذهنية ترى الشارع شيئًا لا يخصّها.
