انسحاب الطلبة من الحضور الجامعي في الجزائر
بقلم بوخالفة كريم -سوسيولوجي جزائري
مقدمة:
أصبحت الجامعة الجزائرية في السنوات الأخيرة شاهدةً على ظاهرة مقلقة تتمثل في الغياب الجماعي للطلبة، خاصة مع بداية الموسم الجامعي، حيث تُسجَّل قاعات شبه فارغة رغم حضور الأساتذة واستكمال الترتيبات الأكاديمية. هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في مجرد سلوك فردي عابر، بل تكشف عن تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية، وتطرح تساؤلات حول مكانة الجامعة والعلم داخل المخيال الجماعي للطلبة والمجتمع. من منظور سوسيولوجي، يمثل هذا الانسحاب الجماعي تجليًا لأزمة قيمية تتقاطع مع التحولات الرقمية، وأنماط التنشئة، وأزمات الهوية، وصراع القيم بين التقليدي والحديث.
1. الغياب من عرض فردي إلى ظاهرة بنيوية:
إذا استثنينا الغياب المبرَّر لأسباب صحية أو ظرفية، فإن الظاهرة الأوسع هي تحوّل الغياب إلى سلوك جماعي متكرر، يكاد يصبح قاعدة غير مكتوبة. فالطلاب الجدد يقبلون بحماس على المحاضرات الأولى، لكنهم سرعان ما يصطدمون بواقع بائس: مدرجات لا تستوعب الأعداد، ضعف تجهيزات الصوت، انعدام الوسائط البصرية، واعتماد الإملاء بدل التفاعل. يجد الطالب نفسه واقفًا أو غير قادر على سماع الأستاذ، ما يضعف دافعيته للبقاء. هذا الواقع يدفع إلى التساؤل: هل المشكلة في الطالب، في الأستاذ، في المحتوى، في طرق التدريس، أم في جدوى العملية التعليمية ككل؟
2. الجامعة كفضاء اجتماعي: من الحضور إلى الانسحاب:
تاريخيًا، كانت الجامعة مؤسسة تنشئة عليا تنتج النخب وتؤسس للمواطنة النقدية. غير أن مشهد اليوم يعكس تحوّلها إلى فضاء بيروقراطي أكثر منه مجالًا حيًا للمعرفة. وفق مقاربة إميل دوركايم، يشكّل ضعف “التضامن الأخلاقي” داخل الحرم الجامعي سببًا أساسيًا لتراجع الإحساس بالانتماء. فالتعليم الجامعي لم يعد رمزًا للترقي الاجتماعي، بل مجرد محطة نحو شهادة تُمكّن من الاندماج في سوق عمل هش، ما يُفقده الجاذبية السابقة. وبهذا المعنى، يغدو الغياب استجابة جماعية لتفكك المعايير، لا مجرد اختيار فردي.
3. أزمة محتوى ومنهج:
يشتكي كثير من الطلبة من محاضرات تخلو من الجِدة وتفتقر لأساليب إثارة الدافعية. اقتصار بعض الأساتذة على الإملاء من دون تفاعل، وعدم استثمار السبورة أو أجهزة العرض، كلها عوامل تُضعف الإقبال. ومع تراجع شرط الحضور كمعيار للنجاح، يتساءل الطالب: لماذا أحضر أصلاً؟ في ظل وفرة منصات تعلم رقمية تقدم محتوى أكثر تنوعًا وجاذبية. هنا يتقاطع التحليل مع نظرية بورديو حول "رأس المال الثقافي": فحين لا يشعر الطالب بأن المحاضرة تضيف قيمة حقيقية لرصيده المعرفي، تتضاءل رغبته في الالتزام.
4. الرقمنة وثقافة التأجيل:
تؤدي الرقمنة دورًا مزدوجًا في حياة الشباب الجامعي: فهي من جهة أداة هائلة للمعرفة، ومن جهة أخرى بيئة افتراضية تكرّس "ثقافة التأجيل". فوسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى مرجعية لاتخاذ قرار الحضور، حيث ينسّق الطلبة فيما بينهم لتأخير الانطلاق الفعلي للدراسة، ما يفرغ التقويم الجامعي من هيبته. يحضر هنا تحليل أولريش بيك حول "مجتمع المخاطر"، حيث تصبح التكنولوجيا نفسها مولّدة لسلوكيات لامبالية، وتعيد صياغة علاقة الأفراد بالزمن والمؤسسات، فيغدو الغياب قاعدةً غير معلنة.
5. فقدان الأفق والجدوى:
يرتبط انسحاب الطلبة بفقدان الثقة في الأفق الاقتصادي والسياسي. فارتفاع البطالة وتراجع جدوى الشهادة الجامعية يدفعان الطلبة إلى إعادة تعريف معنى الالتزام الأكاديمي. وفق ماكس فيبر، حين يضعف "الفعل الغائي" الموجه نحو غاية عقلانية، يسود "الفعل التقليدي" أو "اللاعقلاني"، فتظهر سلوكيات الانسحاب واللامبالاة لا يرى كثير من الطلبة أن الحضور المبكر سيمنحهم مستقبلًا أفضل، ما يجعلهم يعيدون ترتيب أولوياتهم وفق منطق براغماتي خارج أسوار الجامعة.
ومع غياب ربط واضح بين الحضور الدراسي وفرص العمل، يصبح الغياب أكثر عقلانية في نظر الطلبة.
6. تفكك العقد القيمي والتنظيمي:
يبيّن المنظور البنائي الوظيفي أن استقرار أي مؤسسة يتطلب انسجامًا بين أدوارها وقيم المجتمع. لكن العلاقة بين الجامعة والطلبة تشهد اختلالاً بنيويًا؛ فالإصلاحات البيداغوجية غالبًا ما تأتي فوقية، دون إشراك فعلي للطلاب، ما يؤدي إلى ما يسميه ميشال كروزييه "الفاعلية الميتة" للمؤسسات. هذا التفكك يخلق حالة من "اللامعيارية" (Anomie) بالمعنى الدوركايمي، حيث يغيب الإحساس بواجب الحضور والالتزام الجمعي.
7_ تراجع مكانة العلم وأزمة القيم :
يمثل الغياب الجماعي مؤشرًا لانهيار ما يسميه بيار بورديو بـ"رأس المال الثقافي"، إذ فقدت المعرفة العلمية مكانتها كقيمة عليا تحكم السلوك الجماعي. فالتنشئة الاجتماعية المعاصرة، المتأثرة بمنطق السوق والبحث عن الربح السريع، جعلت من الشهادة وسيلة لا غاية. وهكذا ينتقل الطالب من كونِه فاعلاً معرفيًا إلى مستهلك يسعى لأدنى مجهود مقابل أكبر عائد. إنّ غياب الطلبة ليس فقط غيابًا جسديًا، بل هو انقطاع رمزي عن مشروع بناء
خاتمة وتوصيات:
إنّ انسحاب الطلبة من الحضور الجامعي ليس مجرد إشكال تنظيمي، بل هو انعكاس لأزمة ثقافية واجتماعية عميقةفالجامعة فقدت جزءًا من هيبتها كحاضنة للعلم، والعلم نفسه لم يعد قيمةً عُليا تحفّز السلوك
معالجة هذه الأزمة تتطلب:
1. إعادة الاعتبار للقيمة العلمية من خلال سياسات تربوية تُبرز جدوى المعرفة في التنمية الفردية والمجتمعية.
2. تحسين البنية التحتية التعليمية (مدرجات، صوت، وسائط بصرية) وتحفيز أساتذة على التفاعل والإبداع في التقديم.
3. دمج الطلبة في صياغة القرارات البيداغوجية لتعزيز شعورهم بالملكية والانتماء.
4. توجيه الرقمنة نحو التعلم عبر منصات تعليمية جذابة وتفاعلية تحد من تأثير ثقافة التأجيل.
5. ربط الجامعة بسوق العمل عبر شراكات حقيقية مع القطاعات الاقتصادية، بما يعيد الثقة في المستقبل.
إن إنقاذ الجامعة الجزائرية لا يقتصر على ضبط تقويم الدخول الجامعي، بل يتطلب معركة قيمية شاملة تُعيد للعلم مكانته، وتُحيي دور الجامعة كمصنع للنخب وفضاء لإنتاج المعنى، حتى لا يتحول الغياب الجماعي إلى عنوان دائم لأزمة أمة تُدعى إلى القراءة لكنها تغيب عن ميادينها.
