هزيمة المعنى وصعود التفاهة

 




هزيمة المعنى وصعود التفاهة: قراءة سوسيولوجية في تهميش النماذج القيمية في الجزائر



بقلم كريم بوخالفة -سوسيولوجي جزائري 


مقدمة:

في مشهد يتكرر كل سنة، تحتفي الجزائر بنخبة من أبنائها النجباء، خاصة أولئك الذين جمعوا بين التفوق الدراسي وحفظ كتاب الله. تُرفع صورهم على المنصات، تُصفق لهم القاعات، وتُذيع القنوات الرسمية أسماءهم بإجلال، في لحظة وطنية توحي بأن المجتمع لا يزال يُكرّم العقل والمعرفة والالتزام. لكن، وبعد مرور أيام فقط، يُلقى بهؤلاء في هوامش الذاكرة الاجتماعية، ليُستبدَلوا بنجوم مواقع التواصل، أصحاب الفيديوهات التافهة والتحديات الفارغة، الذين يُحوَّلون إلى مرجع في الذوق والثقافة والقدوة

رغم التقدير الظاهري الذي يحظى به التلاميذ المتفوقون في شهادة البكالوريا، لا سيما أولئك الذين جمعوا بين النبوغ الدراسي وحفظ كتاب الله، فإن المفارقة التي تعتري الواقع الثقافي والاجتماعي الجزائري تكمن في سرعة تلاشي هذا التقدير، وتحوله إلى ذكرى ظرفية لا تتعدى حفلات التكريم والخطابات الرمزية. بعدها، ينزاح اهتمام المجتمع تدريجيًا نحو "رموز" أخرى، تتمثل غالبًا في المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، ممن يفتقرون إلى العمق المعرفي، لكنهم يتقنون آليات الجذب البصري والإثارة الرقمية. فلماذا تفشل النماذج الناجحة حقًا في أن تصبح مرجعًا ثقافيًا طويل الأمد؟ ولماذا يُهمَّش حفظة القرآن والمتفوقون ليُستبدلوا بوجوه التسلية الرقمية؟ لنُجِب سوسيولوجيًا. كيف نفسر هذا التناقض؟ لماذا لا يصبح هؤلاء المتفوقون قدوة فعلية؟ ولماذا يهيمن التفاهة على المخيال الجمعي بدل النبل والجدية؟




1. انهيار العمق الرمزي: المجتمع الذي يعجز عن تحويل النجاح إلى معنى.

لا يكفي أن ينجح شخص في الدراسة أو يحفظ القرآن حتى يتحول إلى قدوة رمزية. يجب أن تُصاغ حوله قصة، ويُمنح موقعًا رمزيًا في المخيال الجمعي. لكن في الحالة الجزائرية، تُعاني الثقافة من فقر في الرمزية، حيث فشلت الدولة ومؤسسات التنشئة في بناء سرديات كبرى حول المعنى، وحول ما يجب أن يُحتذى به.

في المجتمعات التي نجحت في تحويل العلماء أو حملة القيم إلى رموز، هناك منظومة سردية متكاملة تربط هذا النجاح بالقيم الوطنية، وبالكرامة، وبمستقبل الأمة. أما في الجزائر، فغالبًا ما يكون التكريم فولكلوريًا، لحظويًا، بدون امتداد رمزي. وكأن المجتمع يُكرم ليبرئ ضميره ثم يعود إلى عاداته الاستهلاكية.



2. فشل المدرسة في صياغة المرجع القيمي: من التعلم إلى الترديد.


المدرسة الجزائرية، بدل أن تتحول إلى حاضنة للرموز القيمية، أصبحت فضاءً يُعاني من الروتين والتلقين والمناهج الفارغة من العمق. فالطالب المتفوق غالبًا ما يُنجز مهمته عبر مجهود فردي، أو سياقات عائلية صارمة، لا بفضل المدرسة. لذلك، يبقى تفوقه فرديًا معزولًا، غير قابل للتحول إلى قيمة جماعية.


عندما تفقد المدرسة وظيفتها الرمزية، فإنها لا تُنتج قدوات. وتفقد النماذج الصاعدة قدرتها على التأثير، لأنها لا تجد من يُترجم نجاحها إلى رمزية جماعية. ويُستبدل ذلك بأصوات رقمية تقدم "متعة سهلة، سريعة، وخالية من المعنى"، يسهل إعادة إنتاجها يوميًا.

3. الذكاء العاطفي المزيف: سيطرة المؤثرين في بيئة تفتقر إلى الحس النقدي.


المؤثرون يملكون شيئًا بالغ الأهمية في العصر الرقمي: التحكم في الصورة، اللغة، التفاعل، والإثارة الفورية. وهم يتقنون ما يسميه دان شتاينبرغ بـ"التأثير العاطفي القصير المدى"، أي إثارة لحظية تخلق انطباعًا قويًا دون أي مضمون.

جيل الشباب، الذي نشأ في غياب ثقافة نقدية، لا يميز بين الإثارة والانبهار، وبين القيمة والمعنى وفي مجتمع هش ثقافيًا، تتقدم الصورة على الكلمة، والإثارة على العمق، والضجيج على التأمل.


هنا تصبح القدوة هي من يثير ويُضحك ويُشاغب، لا من يُفكر ويجتهد ويصمت.


4. مقاربتت سوسيولوجية: من "تشييء الإنسان" إلى "الفراغ الرمزي .


 التفاعلية الرمزية :المعنى يولد في التفاعل!

ترى هاته النظرية أن المجتمع مسرح، والناس يؤدون أدوارًا أمام بعضهم البعض، لكن في زمن المؤثرين، لا يعود الجمهور يبحث عن "دور عميق"، بل عن "عرض سريع". وهنا يُقصى المتفوقون لأنهم لا يعرفون كيف يُؤدّون أنفسهم في مشهد استهلاكي سريع 

تفترض هذه المقاربة أن الأفراد يكوّنون فهمهم للواقع من خلال التفاعلات اليومية والرموز المتداولة. إذا كان الفضاء العام (وخاصة الرقمي) يعج بصور ومقاطع المؤثرين، فهؤلاء يصبحون هم المرجع الذي يُبنى عليه المعنى.

غياب النماذج الإيجابية في هذا التفاعل الرمزي يعني غيابها عن المخيال الجمعي. فحافظ القرآن لا يُنشر له فيديوهات يومية، لا يدخل في تحديات، لا يخلق "ترندًا"، وبالتالي فهو خارج اللعبة الرمزية الحديثة لذا، ورغم اعتراف الدولة والمجتمع بنجاحه، فإنه لا يُحوَّل إلى رمز دائم أو مُلهم.

غي ديبور في "مجتمع الاستعراض" يحلل كيف أن الصورة أصبحت تحكم الحياة اليومية، وتُنتج واقعًا وهميًا يتجاوز الحقيقة نفسها. المتفوق الحقيقي لا يُنتج صورًا جذابة، بل يُنتج معرفة، وهي لا تُشاهد، بل تُفهم. لذا يتم تجاهله.


بيير بورديو ايضا يُفسر الفشل في تحويل المتفوق إلى رمز بالافتقار إلى "الرأسمال الرمزي الإعلامي"، لأن من لا يظهر، لا يُحتذى به.

يُعد بيير بورديو من أهم من فسّر هيمنة الرموز الثقافية داخل الحقل الاجتماعي من خلال مفهومي الرأسمال الرمزي والحقل. فحافظ القرآن مثلًا يملك رأسمالًا ثقافيًا مرتفعًا من حيث المعرفة الدينية والانضباط الأخلاقي، لكنه يفتقر إلى رأس المال الرمزي داخل الحقل الإعلامي الحديث، حيث لم تعد المعايير هي القيم، بل الشهرة، الجاذبية البصرية، والخفة.

في هذا السياق، لا يتم الاعتراف إلا بمن يملك القدرة على "إثارة التفاعل"، بينما يتم تهميش من لا يمتلك الأدوات الإعلامية التي تُمكّنه من البروز. وبما أن الحقل الإعلامي أصبح هو المحدِّد الجديد للرموز الثقافية، فإن النماذج "القدوة" تُبنى وفق منطق السوق، لا منطق القيم.


 التحول القيمي والذوق العام — من زاوية مدرسة فرانكفورت

تحلل مدرسة فرانكفورت ايضا كيف أن الصناعة الثقافية تُفرغ الإنسان من إنسانيته، وتحوله إلى مستهلك سلبي. وهنا يمكن أن نلاحظ أن ما يُقدَّم من قبل المؤثرين ليس فكرًا أو نموذجًا أخلاقيًا، بل منتجات ترفيهية تمتص وعي الجمهور وتُشكّل ذوقه عبر التكرار والبساطة.

المجتمع، وخاصة فئته الشابة، بات يخضع لهيمنة ذوقية وإعلامية صنعت له صورة "النموذج المثالي" في شكل جسد مثالي، حياة فاخرة، لغو سهل، وضحك دائم. أما صورة المتفوق النقي، حافظ القرآن، فترتبط في المخيال الجمعي الحديث بـ"الجدية المفرطة"، "الانطواء"، وربما حتى "الرجعية"، ما يجعلها غير مرغوبة ذوقيًا، رغم رمزيتها العميقة.


الأزمة التربوية والفراغ الرمزي — تفكك مؤسسات التنشئة.


في الماضي، كانت الأسرة، المسجد، والمدرسة تمثل ثلاثي التنشئة الرمزية، وتعمل على ترسيخ الرموز التي يُحتذى بها. لكن اليوم، خُطِف هذا الدور لصالح المنصات الرقمية.

جيل اليوم لا يتلقى معاييره من البيت أو الإمام أو الأستاذ، بل من "اليوتيوبر"، "التيكتوكر"، و"الستريمر". وهو ما يُشير إلى أزمة في التنشئة القيمية لا تُحل بتكريم ظرفي، بل بإعادة بناء الجسور بين مؤسسات التنشئة ومخرجات الإعلام والثقافة.


5. مثاليات معلّقة في فراغ اجتماعي: حافظ القرآن الذي يخجل من نفسه.


ربما الأكثر مأساوية هو أن بعض المتفوقين، بعد شهور من التكريم، يبدأون في الشعور بالغربة الثقافية داخل مجتمع يرفض القيم التي يحملونها. يبدأون في التخفف من هيبتهم، من لباسهم، من لغتهم، ليندمجوا مع "السائد".

فالمجتمع لا يمدهم بمنظومة دعم، بل يطالبهم بالصمت، أو بالتحول إلى نسخة من "الترند". هكذا يُفكك المجتمع رموزه بيده، ويُنتج مزيدًا من الانفصام الرمزي بين ما يُعلن وما يُمارس.


مثال واقعي — المفارقة بين حافظي القرآن ونجوم التفاهة

في كل سنة، تُكرّم الجزائر أبناءها المتفوقين، ويُبث الحفل عبر القنوات الوطنية، ويصفق لهم الجميع. ولكن بعد أيام، تسيطر على "الترند" أسماء لشخصيات معروفة بالسجالات التافهة، وصراعات رقمية، وفضائح مصطنعة.

في المقابل، لا نجد متابعة لمسيرة هؤلاء المتفوقين، ولا توجيهًا حقيقيًا لدعمهم رمزيًا أو إعلاميًا، ليصبحوا نماذج فكرية وثقافية قادرة على جذب الجيل الجديد.


6. أي مجتمع نريد؟ سؤال قيم لا تقني ؟


القضية ليست في أن المؤثرين سيئون بالمطلق، أو أن التلاميذ المتفوقين ملائكة. بل في أن المجتمع لا يملك جهازًا ثقافيًا لترتيب المعاني، لا يعرف من يُقدِّم ومن يُؤخر، من يُرفع ومن يُسقط.

مجتمع يَمنح التفاهة مكانة ويُسكت القيم، هو مجتمع مريض بالرموز، فاقد للثقة في مستقبله. فلا يُنتج سوى نماذج هشة، تُستهلك وتُرمى، دون أن تُبني بها أي حضارة.


خاتمة :

من النماذج الصامتة إلى القدوة الفاعلة — أي طريق للمجتمع؟


المجتمع الذي يكرم النماذج الحقيقية ثم ينساها، يعيش أزمة رمزية عميقة فالتكريم لا يكفي لصناعة قدوة، بل يجب أن ترافقه إرادة ثقافية دعم إعلامي، وإدماج ممنهج لهؤلاء في الحقل العام.

كما يجب إعادة الاعتبار للقيم التي تمثلها هذه النماذج، وتوفير منصات تعبير بديلة، تسمح للمتفوقين بأن يصبحوا فاعلين ثقافيًا، لا فقط رموزًا لحفلة وتنتهي.

ما لم يُعالج هذا الخلل، ستبقى القدوة في المجتمع الجزائري محصورة في من يملك خفة الدم، لا ثقل المعرفة.

قد لا يملك المتفوقون لغة الصور، ولا مهارات الترويج، ولا وسائل الإثارة السريعة، لكنهم يملكون جوهرًا يُبنى به المستقبل، شرط أن يجد من يرويه، ويُؤطره، ويُرفعه إلى مقام القدوة.

الرهان الحقيقي ليس على المتفوق فقط، بل على المجتمع: هل يريد أن يصنع من نجاح أفراده مشروعًا جماع

يًا؟ أم يكتفي بعرض عابر، ثم يعود إلى الاستهلاك، والانبهار، والنسيان؟






إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم