افتعال الفرح في مجتمع مأزوم: فرحة البكالوريا كنموذج سوسيولوجي.

 افتعال الفرح في مجتمع مأزوم: فرحة البكالوريا كنموذج سوسيولوجي.



بقلم : كريم بوخالفة - سوسيولوجي جزائري 


مقدمة :

في نصّ ينبض بالصدق المؤلم ويقطر وعيًا مرًا، تتجلى الفرحة المؤجلة"كمفهوم مركزي يعكس واقعًا اجتماعيًا مشحونًا بالاغتراب والخيبة الجمعية، حيث تصبح الفرحة لا فعلًا وجوديًا نابعًا من تحقّق ذاتي أو جماعي، بل طقسًا مصطنعًا، تعويضيًا، ومُعلّبًا يُستهلك لحظيًا في الشارع أو أمام الشاشات، وينتهي في ذات اللحظة التي يُطفأ فيها البارود العراسي.

في المجتمعات التي تعيش أزمات مزمنة على المستويات الاقتصادية، السياسية، والرمزية، تصبح مظاهر الفرح أدوات تعويضية أكثر منها تعبيرات شعورية حقيقية. في هذا السياق، تُمثل "فرحة البكالوريا" في الجزائر نموذجًا صارخًا لما يسميه بيير بورديو العنف الرمزي المعكوس"، حيث تُحوَّل لحظة عابرة في حياة فردية إلى كرنفال جماعي، في محاولة يائسة لتوليد معنى وسط فراغ مجتمعي خانق.

1. منجز صغير في فراغ كبير.


يحتفل المجتمع الجزائري بالبكالوريا احتفالًا يكاد يضاهي احتفالات الأمم بانتصاراتها التاريخية، رغم أن هذا الامتحان لا يضمن أي استقرار مهني أو اجتماعي. فالمجتمع، المُحمَّل بخيبات مزمنة، يحتاج لخلق رموز نصر صغيرة يعوّض بها غياب الإنجاز الجماعي الحقيقي. هنا، يحل الامتحان المدرسي محل "الحدث الوطني"الغائب، ويصبح الطالب هو البطل المؤقت، وإن كانت النهاية – كما يُقال – بطالةٌ بشهادة دكتوراه.


2. فرح الجماعة في غياب الفرد.


يفسر إميل دوركايم هذه الظواهر عبر مفهوم التمثلات الجمعية" حيث يصبح الفرد مجرد حامٍ لصورة الجماعة عن نفسها. الطالب في لحظة إعلان النتائج لم يعد "ابن الدار"، بل "ابن الحومة"، و"ابن الجزائر"، و"بطل العائلة". الفرح إذاً ليس نابعًا من قناعة الفرد بما أنجزه، بل من ضغط الجماعة على تحويله إلى احتفال عام، في ظل غياب لحظات الفرح الجماعي الأخرى: لا ديمقراطية، لا رياضة عادلة، لا مشروع وطني واضح.



الفرح كسلطة اجتماعية مضادة :


الاحتفال الشعبي، كما في الساحات والمواكب، لا يخلو من بعد سياسي. وفقًا لـ جيمس سكوت في نظريته عن "الأسلحة الضعفاء"، يمكن لتلك الطقوس أن تكون شكلًا من المقاومة الناعمة أو التعبير عن الغضب بطريقة مموّهة. فحين يشعل الناس "الفيمجان" زكارة في العديان، فإنهم لا يحتفلون بقدر ما يوجهون رسالة اجتماعية: "لسنا ضعفاء كما تظنون، نملك رمزية الفرح حتى إن كنا محبطين". ولكن، حين تتحوّل المقاومة إلى طقس دائم لا يغيّر الواقع، فإنها تصبح جزءًا من النظام ذاته.



3. فرحة البكالوريا كطقس عبور وهمي.


من زاوية أنثروبولوجية، يمكن اعتبار البكالوريا طقس عبور" (Rite of passage) حيث يُنتقل من مرحلة إلى أخرى. غير أن المفارقة في الجزائر أن العبور ليس حقيقيًا. فالطالب ينتقل من "لا شيء" إلى "لا شيء آخر". الجامعة، كما الواقع، ليست فضاء للترقي الاجتماعي بل انتظار بطيء. فالطقس مُحتفَل به على المستوى الرمزي، دون أن تكون له نتائج واقعية، مما يؤكد أن الفرح مفتعل، لا أصيل.


4. الفرحة في ظل اقتصاد الهشاشة واللايقين

في ظل انعدام الأفق، وانهيار المشروع الجماعي الوطني، يغدو الفرح مشروعًا فرديًا أو لحظيًا أو فانتزيا. وهنا نستحضر ما كتبه زيغمونت باومان عن "الحداثة السائلة"، حيث تفقد القيم معناها المستقر، ويصبح الإنسان عاجزًا عن التأسيس لمعنى ثابت لحياته. فرحة الفوز الكروي أو النجاح المدرسي المؤقت لا تُبنى عليها مشاريع ولا تخلق مسارًا طويل الأمد، بل تُمثّل استراحة سريعة في صحراء المعنى، قبل أن يعود الجميع لدوامة البؤس المعتادة.


ترتبط هذه الظاهرة كذلك ببنية اللايقين الاجتماعي، حيث لا يضمن النجاح الدراسي وظيفة، ولا يضمن الشرف الوظيفي كرامة. وبما أن مستقبل الشباب غامض ومؤلم، يتم تحويل لحظة نجاح بسيطة إلى تعويض نفسي جماعي" يُمارس من خلال البارود، والموكب، والرايات، وزغاريد الأمهات. وهذه المظاهر ليست سوى محاولة لتأجيل الإحباط، وتجميل واقع هش لا يوفر إلا "الفرحة المؤجلة".


5. قراءة ثقافية: حين يتحوّل الفرح إلى تمثيل استهلاكي


في ظل العولمة والثقافة الاستهلاكية، لم تعد فرحة البكالوريا مجرد احتفال عائلي، بل أصبحت سوقًا قائمة بذاتها: قاعات، بدلات، لافتات، تصوير فوتوغرافي، صالونات تجميل. وهي بذلك تجسد ما سماه جان بودريار "تمثيل السعادة في مجتمع الاستهلاك"، حيث يصبح الفرح سلعة، يتم إنتاجه وتدويره، بغض النظر عن مضمونه. الطالب الذي نجح يصبح زبونًا في اقتصاد الفرح المؤقت

من منظور سوسيولوجيا الثقافة كما عند جان بودريار مثلا يمكن فهم هذا "الفرح المُفتعل" بوصفه شكلًا من الفرجة التي تحل محل الواقع؛ فالناس لم يعودوا يعيشون الفرح كحالة داخلية، بل كمشهد خارجي يجب عرضه وتصويره ومشاركته، حتى لو لم يشعروا به فعلًا. هنا، تتحول مظاهر الفرح (الأهازيج، الزغاريد، الألعاب النارية) إلى لغة رمزية تنكر في جوهرها الشعور الحقيقي، لكنها تؤدي دورها الاجتماعي في طمأنة الجماعة، ولو مؤقتًا، أن الحياة لم تفقد بعد معناها.


6. ما العمل؟ فرحة البكالوريا كمرآة لا كمشكلة.

يرى فرويد أن الهزل والضحك أحيانًا يعملان كآليات دفاع نفسية ضد التوترات والاحباطات. بالمثل، فإن هذه الممارسات الاحتفالية الجماعية يمكن أن تُقرأ كـ"هروب جماعي من الألم"، وهي تعبّر عن محاولة يائسة للسيطرة على واقع لا يُطاق. فحين يُحتفى بنجاح في البكالوريا أو الفوز في مباراة، فإن ذلك لا يعود لانتصار حقيقي، بل لأن الفرح أضحى سلعة نادرة لا تُنال إلا عبر "تحايل شعبي" يضخّم اللحظة لتغطية الفشل المزمن في الحياة اليومية.

لسنا ضد الفرحة، لكن من الخطأ أن نجعل من انتصار صغير حدثًا وطنيًا كل عام، ثم ننسى أصحاب هذا النصر في مقاعد الجامعة وصفوف البطالة. ما تحتاجه الجزائر هو سياسة عمومية تعيد الاعتبار للرأسمال البشري وتجعل من النجاح الدراسي بداية حقيقية لا نهاية مُحتفل بها بلا مضمون. حين نربط التعليم بسوق الشغل، ونضمن الحوكمة في التوظيف، ونحارب الفساد في الترقية، فقط عندها ستكون فرحة البكالوريا فرحة أصيلة، لا مسرحية اجتماعية.


7:الثقافة الريعية واستبدال القيم الرمزية:


يستدعي النص مقاربة بيير بورديو حول "الرأسمال الرمزي"، حيث يُلاحظ أن الأوساط الشعبية كثيرًا ما تستثمر في رموز مفرغة (كالزغاريد لخروج سجين أو نجاح ورقي) لتعويض غياب القيم الحقيقية للعدالة أو العمل أو الكرامة. وبهذا، تتحول تلك الطقوس إلى بدائل رمزية لقيم غائبة: تُرفع صور المجرمين كأبطال، وتُكرّم شهادات علمية في بيئات تعرف جيدًا أنها بلا قيمة في سوق العمل، ويُحتفى بانتخابات نتيجتها معلومة مسبقًا.


خاتمة

إننا، كما يصف النص بمرارة، نعيش دولة الفرح المصطنع، حيث تُقام الأعراس دون عرسان حقيقيين، وتُطلق الزغاريد دون مناسبة وجودية، وتُشعل المفرقعات لا احتفالًا بالنجاح بل هربًا من الفشل. في هذا الواقع، يصبح الفرح لا قيمة أخلاقية أو وجودية، بل "سلعة رمزية" تُستخدم لترقيع ما لا يُرقع: غياب العدالة، انهيار التعليم، فقدان المعنى، وتآكل الأمل.

ما نحن بحاجة إليه ليس "إيجار زغاريد"، بل تحرير الفرح من قيده الرمزي، ومنحه معنى حقيقيًا يرتبط بتحقّق الذات والكرامة والحرية. فالفرح، في النهاية، ليس صوت بارود ولا رقصة جماعية، بل شعور داخلي يولد حين يتصالح الإنسان مع ذاته ومجتمعه وزمنه.

إن المجتمع الذي يفتقد الفرح الحقيقي، يستعيض عنه بمسرحة الفرح، ويبالغ في الاحتفاء بالهامشي لأنه فقد السيطرة على الجوهري. وفرحة البكالوريا، كما كل الأفراح المؤقتة في الجزائر، ليست إلا صرخة شعب يريد أن يفرح، لكنه لم يجد سببًا حقيقيًا للفرح. حين نربط الفرح بالكرامة والعدالة والحرية، فقط حينها.

.. لن نحتاج إلى "الفيمجان" لإثبات وجودنا.






إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم