تحول القيم الاجتماعية في المجتمع: هل نحن أمام أزمة قيم أم إعادة ترتيب للقيم؟

 


 تحول القيم الاجتماعية في المجتمع: هل نحن أمام أزمة قيم أم إعادة ترتيب للقيم؟



بقلم بوخالفة كريم -الجزائر


يكثر في الخطاب اليومي الجزائري الحديث عن أزمة القيم وكأن المجتمع يعيش انهيارا أخلاقيا غير مسبوق وكأن القيم التي كانت تحكم العلاقات الاجتماعية قد اختفت وحلت محلها اللامبالاة والفردانية والمادية غير أن القراءة السوسيولوجية لا تتعامل مع المسألة بهذه البساطة لأن القيم لا تختفي فجأة ولا تنتقل المجتمعات من منظومة إلى أخرى بقرار جماعي وإنما تتغير القيم عندما تتغير الشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تنتجها وتحافظ عليها ولذلك فإن ما يبدو في الظاهر أزمة قيم قد يكون في العمق عملية إعادة ترتيب للقيم وإعادة توزيع لأهميتها داخل المجتمع.

القيمة الاجتماعية ليست مجرد مبدأ أخلاقي مجرد وإنما هي معيار ثقافي يحدد ما يعتبره المجتمع مرغوبا أو مرفوضا وما يمنح الفرد الاحترام أو الانتقاد وما يحدد السلوك المقبول داخل الأسرة والمدرسة والعمل والشارع فحين تتغير بنية المجتمع تتغير بالضرورة الطريقة التي يفهم بها أفراده مفاهيم مثل الاحترام والنجاح والاستقلال والمسؤولية والأسرة والعمل والسلطة والتضامن.

وقد عرفت الجزائر خلال العقود الماضية تحولات عميقة مست الأسرة والتعليم والعمل والتحضر والإعلام وأنماط الاستهلاك والعلاقات بين الأجيال وقد انعكست هذه التحولات على النسق القيمي نفسه وتشير دراسات جزائرية إلى أن الأسرة انتقلت بدرجات مختلفة من النموذج الممتد إلى النموذج النووي وتراجعت بعض مظاهر الجماعية وبرزت الفردانية وتغيرت السلطة الأبوية وتغيرت بعض المواقف المرتبطة بالزواج والإنجاب.

لكن الخطأ المنهجي هو أن نفسر كل تغير باعتباره تدهورا فالقيمة التي تتغير ليست بالضرورة قيمة سيئة والقيمة الجديدة ليست بالضرورة قيمة جيدة فقد يكون تراجع الطاعة المطلقة للوالدين تعبيرا عن نمو الاستقلالية وقد يكون تراجع بعض أشكال التضامن التقليدي نتيجة لتحول بنية الأسرة والعمل وليس نتيجة انهيار أخلاقي وقد يكون ارتفاع قيمة الحرية الشخصية مؤشرا على تحول إيجابي في تصور الفرد لذاته وفي الوقت نفسه قد يؤدي الإفراط في الفردانية إلى إضعاف بعض أشكال التضامن الاجتماعي.

لهذا يجب التمييز بين أزمة القيم وتغير القيم فأزمة القيم تعني وجود اضطراب في المرجعيات والمعايير بحيث يفقد الأفراد القدرة على معرفة ما هو مقبول وما هو مرفوض أو يعيشون تناقضا بين قيم متعددة دون وجود آليات اجتماعية قادرة على تنظيم هذا التناقض أما تغير القيم فهو عملية طبيعية ترافق التحول الاجتماعي وقد ينتج عنها انتقال من قيم إلى أخرى أو إعادة ترتيب للأولويات.

ومن هنا فإن المجتمع الجزائري يبدو أقرب إلى حالة من التعايش بين منظومات متعددة أكثر من كونه يعيش اختفاء منظومة وظهور أخرى فالأسرة قد تتمسك بقيم الطاعة والاحترام لكنها في الوقت نفسه تشجع أبناءها على الاستقلال الاقتصادي وقد يؤكد الفرد أهمية الجماعة لكنه يطالب في حياته الخاصة بحرية أكبر وقد يتمسك الشباب ببعض المرجعيات التقليدية وفي الوقت نفسه يتبنون أنماطا جديدة من التفكير والسلوك.

وهذا التداخل بين القديم والجديد هو أحد أهم ملامح التحول القيمي الجزائري فقد أظهرت دراسة سوسيولوجية حول الأسرة الجزائرية أن تبني القيم الحديثة لم يؤد إلى اختفاء القيم التقليدية بل نشأ نوع من التكيف بين الطرفين بحيث يحتفظ الأفراد ببعض القيم التقليدية التي يرونها ضرورية للاستقرار الأسري بينما يتبنون قيما حديثة في مجالات أخرى.

وتظهر هذه الازدواجية بصورة واضحة لدى الشباب فالشاب الجزائري يعيش في فضاء اجتماعي متعدد المصادر يتلقى القيم من الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والشارع والأصدقاء وشبكات التواصل الاجتماعي في الوقت نفسه ولم تعد الأسرة وحدها قادرة على احتكار عملية التنشئة الاجتماعية بل أصبح الهاتف الذكي نافذة مفتوحة على ثقافات وأنماط حياة مختلفة.

وقد أشارت دراسة حديثة منشورة سنة 2025 إلى أن التحولات التكنولوجية ساهمت في ظهور صراع قيمي بين الأجيال داخل الأسرة الجزائرية وأن الشباب يمثلون الفئة الأكثر تعرضا لهذه التحولات والأكثر قابلية لاستقبال القيم الجديدة كما خلصت دراسة أخرى منشورة سنة 2024 إلى أن العولمة والمعلوماتية أصبحتا عاملين مؤثرين في تشكيل القيم الأسرية لدى الشباب الجامعي الجزائري.

لكن لا ينبغي تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية التحول القيمي فالوسائط الرقمية ليست سوى قناة من قنوات التغير بينما تكمن الأسباب الأعمق في التحول الاجتماعي نفسه فالفرد الذي يعيش في مدينة مختلفة عن القرية والفرد الذي تلقى تعليما جامعيا والفرد الذي دخل سوق العمل والفرد الذي أصبح أكثر استقلالا اقتصاديا لن تكون علاقته بالقيم مطابقة تماما لعلاقة الأجيال السابقة بها.

إن تغير موقع المرأة داخل المجتمع مثال واضح على ذلك فارتفاع مستوى التعليم وخروج المرأة إلى العمل وتوسع حضورها في الفضاء العام كلها تحولات لم تغير وضعها الاقتصادي فقط وإنما أعادت تشكيل مفاهيم السلطة والاستقلال والمسؤولية والأدوار داخل الأسرة وبالتالي فإن تغير قيمة معينة لا يمكن فهمه بمعزل عن تغير البنية الاجتماعية التي تحملها.

والأمر نفسه ينطبق على مفهوم النجاح فقد كان النجاح الاجتماعي يرتبط بدرجة كبيرة بالتعليم والحصول على وظيفة مستقرة وبناء أسرة ثم أصبح المال والاستقلال الاقتصادي والسفر والاستهلاك والحضور الرقمي عناصر إضافية تدخل في تعريف النجاح وهذه ليست مجرد تغيرات في الذوق وإنما تغيرات في سلم التقدير الاجتماعي.

كما تغيرت علاقة الأجيال بالسلطة فالسلطة الأبوية التقليدية لم تعد تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها في السابق لأن الابن أصبح أكثر تعرضا لمصادر معرفية متعددة وأصبح قادرا على مقارنة تجربته الأسرية بتجارب أخرى يرى صورها يوميا على شبكات التواصل الاجتماعي ومن ثم لم تعد سلطة الوالد تقوم فقط على العمر والخبرة بل أصبحت مطالبة بالتفاوض والإقناع.

وهنا يظهر صراع الأجيال ليس باعتباره صراعا بين الخير والشر وإنما باعتباره صراعا بين مرجعيات مختلفة فالأب قد يرى الاحترام في الطاعة بينما قد يرى الابن الاحترام في الحوار وقد يرى الجيل الأكبر الاستقلال نوعا من التمرد بينما يراه الجيل الأصغر شرطا لتحقيق الذات.

ومن منظور بورديو يمكن القول إن التحول القيمي يرتبط أيضا بتحول الحقول الاجتماعية والرأسمالات التي يمتلكها الأفراد فحين ترتفع قيمة التعليم تتعاظم أهمية الرأسمال الثقافي وحين تصبح العلاقات الشخصية أكثر تأثيرا يزداد وزن الرأسمال الاجتماعي وحين يصبح الاستهلاك معيارا للمكانة يرتفع وزن الرأسمال الاقتصادي وعندما يصبح الحضور الرقمي مصدرا للاعتراف تظهر أشكال جديدة من الرأسمال الرمزي.

وبذلك فإن ما نسميه أحيانا أزمة قيم قد يكون في جزء منه صراعا حول من يملك حق تعريف القيمة نفسها فمن يحدد معنى النجاح ومن يحدد معنى الاحترام ومن يحدد السلوك المقبول هل الأسرة أم المدرسة أم الدين أم الدولة أم جماعة الأصدقاء أم المؤثرون أم الفرد نفسه.

وهذه المسألة تزداد تعقيدا لأن المجتمع الجزائري لا يعيش فقط انتقالا بين جيلين بل يعيش تعددا في المرجعيات داخل الجيل الواحد نفسه فقد نجد الفرد متمسكا بقيمة دينية وتقليدية في مجال معين لكنه يتبنى فردانية شديدة في مجال آخر وقد يدافع عن التضامن الاجتماعي لكنه ينافس الآخرين بشدة في العمل وقد ينتقد الاستهلاك لكنه يسعى إلى امتلاك رموزه.

إذن المشكلة ليست بالضرورة غياب القيم وإنما تعددها وتعارضها أحيانا فالفرد أصبح يعيش بين منظومات قيمية متعددة ويضطر إلى التوفيق بينها وهذا ما يجعل بعض السلوكيات تبدو متناقضة بينما هي في الحقيقة نتيجة لمحاولة الفرد التكيف مع شروط اجتماعية جديدة.

وتؤكد الأدبيات الدولية حول القيم أن المجتمعات لا تتحول في اتجاه واحد فدراسات القيم العالمية تميز مثلا بين القيم التقليدية والقيم العقلانية العلمانية وبين قيم البقاء وقيم التعبير عن الذات وتبين أن التحول الاجتماعي قد يصاحبه استمرار قوي لبعض المرجعيات التقليدية في الوقت الذي تظهر فيه قيم جديدة.

وهذا التصور يساعد على فهم الحالة الجزائرية بعيدا عن خطاب الانهيار الأخلاقي فالمجتمع قد يغير ترتيب قيمه دون أن يفقد قدرته على إنتاج المعايير فالكرم والتضامن واحترام الأسرة والدين ما زالت حاضرة ولكنها تتفاعل مع قيم جديدة مثل الاستقلالية والخصوصية وتحقيق الذات والنجاح الفردي.

إن الخطورة تبدأ عندما لا تستطيع المؤسسات الاجتماعية القيام بدورها في تنظيم الانتقال القيمي فالأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية لا ينبغي أن تكون مهمتها إلغاء القيم الجديدة أو فرض القيم القديمة بالقوة وإنما مساعدة الأفراد على بناء توافق اجتماعي جديد يجمع بين الاستمرارية والتغير.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس هل فقد المجتمع الجزائري قيمه وإنما أي قيم تتراجع وأي قيم تصعد ولماذا ومن المستفيد من هذا التحول ومن المتضرر منه وكيف يعاد إنتاج القيم داخل الأسرة والمدرسة والعمل والفضاء الرقمي.

إن دراسة التحول القيمي تكشف أن المجتمع الجزائري لا يقف بين ماض مثالي وحاضر فاسد كما يوحي الخطاب الشعبي أحيانا فالماضي نفسه كان يحتوي على صراعات وتفاوتات وقيم متناقضة والحاضر بدوره لا يخلو من مظاهر التضامن والمسؤولية والتكافل وإنما تغيرت الظروف التي تنتج هذه القيم وتعيد ترتيبها.

لذلك فإن الحديث عن أزمة قيم يجب أن يكون دقيقا لأن وصف المجتمع كله بأنه يعيش أزمة أخلاقية قد يتحول إلى حكم معياري أكثر منه تحليلا سوسيولوجيا أما إذا تحدثنا عن إعادة ترتيب للقيم فنحن نطرح سؤالا علميا حول آليات التغير ومصادره ونتائجه.

وفي النهاية يبدو أن المجتمع الجزائري يعيش حالة مزدوجة يمكن وصفها بأنها إعادة ترتيب للقيم تتخللها أزمات قيمية جزئية وليست أزمة شاملة تلغي كل المرجعيات السابقة فالقيم التقليدية لم تختف والقيم الحديثة لم تنتصر بصورة كاملة وإنما نشأ بينهما فضاء هجين تتعايش داخله الجماعية والفردانية والسلطة والاستقلال والتقاليد والحداثة والاستهلاك والتضامن.

وهنا تكمن أهمية علم الاجتماع لأنه لا يسأل فقط هل تغير الناس بل يسأل لماذا تغيروا وكيف تغيروا ومن الذي يحدد اتجاه هذا التغير وما الآثار التي ينتجها على الأسرة والشباب والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية.

إن المجتمع الذي يتغير لا يفقد بالضرورة قيمه وإنما يعيد تعريفها وفي الحالة الجزائرية يبدو أن المعركة الحقيقية ليست بين القيم القديمة والقيم الجديدة بقدر ما هي محاولة مستمرة لإعادة بناء توازن اجتماعي بين ما يجب الاحتفاظ به من الذاكرة الثقافية وما يجب تجاوزه من ممارسات لم تعد منسجمة مع التحولات الجديدة.

ومن ثم فإن مستقبل المنظومة القيمية الجزائرية لن يتحدد بعودة الماضي ولا باستيراد قيم جاهزة من الخارج وإنما بقدرة المجتمع على إنتاج صيغة ثقافية جديدة تستطيع الجمع بين الكرامة والحرية وبين التضامن والاستقلال وبين احترام الأسرة والاعتراف بالفرد وبين الانتماء إلى الثقافة المحلية والانفتاح على العالم.

فالقيم لا تموت بسهولة لكنها تتغير وتتفاوض وتعيد إنتاج نفسها ومن يقرأ التحول القيمي باعتباره انهيارا كاملا قد لا يرى إلا جانب الأزمة أما من يقرأه باعتباره إعادة ترتيب مستمرة فسوف يستطيع رؤية المجتمع الجزائري وهو يعيد بناء صورته عن نفسه وعن الآخر وعن الأسرة والعمل والنجاح والحرية والمسؤولية.

وهنا بالضبط تتحول أزمة القيم من خطاب للتخويف إلى موضوع للبحث فالمطلوب ليس أن نحكم على المجتمع بل أن نفهمه لأن فهم التحولات القيمية هو في النهاية فهم للتحولات العميقة التي يعيشها المجتمع الجزائري نفسه.



إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم