المجتمع بين سلطة الصورة وتراجع المرجعية المعرفية

 المجتمع بين سلطة الصورة وتراجع المرجعية المعرفية




بقلم: كريم بوخالفة سوسيولوجي جزائري 


مقدمة :

لم يعرف الإنسان عبر تاريخه أزمةً في إنتاج المعرفة كما يعرف اليوم، بل على العكس، لم تكن المعرفة يومًا أكثر وفرة مما هي عليه في العصر الرقمي ومع ذلك، فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن تضخم المعلومات ترافق مع تراجع المرجعيات التي تمنحها معناها وقيمتها فلم تعد المشكلة أن المجتمع لا يعرف، وإنما أصبح السؤال: كيف يعرف؟ ومن يحدد له ما يستحق أن يُعرف؟
لقد شهدت المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها انتقال السلطة من القوة إلى القانون ومن المال الى الخبرة والتجربة ومن القانون إلى المعرفة، أما اليوم فهي تعيش انتقالًا جديدًا من المعرفة إلى الصورة ولم يعد الصراع يدور حول امتلاك الحقيقة، بل حول امتلاك الانتباه؛ لأن من ينجح في السيطرة على انتباه الناس يمتلك، بدرجة كبيرة، القدرة على التأثير في تصوراتهم وأحكامهم وحتى في إدراكهم للواقع
ولذلك فإن ما نشهده ليس مجرد ثورة في وسائل الاتصال، ولا مجرد انتشار غير مسبوق لوسائل التواصل الاجتماعي، بل تحول سوسيولوجي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمعرفة، وبين الحقيقة والتمثيل، وبين المختص والجمهور، وبين العقل والخوارزمية إنها لحظة تاريخية تتغير فيها معايير الاعتراف الاجتماعي، وتُعاد فيها صياغة مصادر الشرعية، ويصبح الظهور منافسًا للخبرة، والانتشار منافسًا للحقيقة
من هنا تبرز إشكالية هذا المقال، التي لا تتمثل في نقد الصورة أو التكنولوجيا في حد ذاتهما، وإنما في تحليل التحول العميق الذي جعل المجتمع ينتقل، تدريجيًا، من الاحتكام إلى المرجعية المعرفية إلى الاحتكام لسلطة الصورة، وما يترتب عن ذلك من آثار على إنتاج الوعي، وبناء الرأي العام، ومكانة المؤسسات العلمية، وقدرة المجتمع على التمييز بين المعرفة والانطباع، وبين الحقيقة والوهم.


لم يعد المجتمع المعاصر يُقاس بما ينتجه من معرفة بقدر ما يُقاس بما ينتجه من صور فقد انتقلت المكانة الاجتماعية تدريجيًا من فضاء الإنجاز الحقيقي إلى فضاء الظهور، ومن قيمة الفكرة إلى جاذبية الصورة، ومن سلطة المختص إلى سلطة المؤثر. إنها ليست مجرد طفرة تقنية فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحول ثقافي عميق أعاد تشكيل معايير الاعتراف الاجتماعي ومصادر الشرعية الرمزية
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور في وسائل الاتصال، بل تحول في منطق إنتاج الواقع الاجتماعي نفسه فالمجتمعات الحديثة لم تعد تكتفي بتمثيل الواقع عبر الصورة، بل أصبحت تعيش داخله وأصبحت الصورة وسيطًا يحدد ما يستحق أن يُرى، ومن يستحق أن يُسمع، وما الذي ينبغي أن يتحول إلى قضية عامة وبهذا المعنى، لم تعد الصورة أداة محايدة لنقل المعرفة، وإنما أصبحت سلطة رمزية تعيد ترتيب أولويات المجتمع، وتحدد من يملك حق الكلام، ومن يحتكر الانتباه، ومن يحظى بالشرعية الاجتماعية
ولذلك فإن السؤال السوسيولوجي لم يعد: كيف تنقل الصورة المعرفة؟ بل أصبح: كيف تعيد الصورة تشكيل المعرفة نفسها؟ فالخوارزميات لا تكتفي بعرض المحتوى، وإنما تنتقيه، وترتبه، وتمنحه درجات متفاوتة من الظهور، فتتحول تدريجيًا إلى فاعل اجتماعي جديد يشارك المدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، في إنتاج الوعي الجمعي غير أن هذا الفاعل لا يعمل وفق معايير الحقيقة أو الجودة، بل وفق اقتصاد الانتباه، حيث تصبح قيمة الفكرة مرتبطة بقدرتها على جذب المشاهدات أكثر من قدرتها على تفسير الواقع
ومن هنا بدأ المجتمع ينتقل بصمت من اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد الانتباه؛ ففي الأول كانت القيمة تُمنح لمن ينتج معرفة جديدة، أما في الثاني فتُمنح لمن يستطيع احتكار انتباه الجمهور أطول مدة ممكنة. وهذه النقلة ليست تقنية فحسب، بل حضارية أيضًا، لأنها تنقل مركز السلطة من المؤسسات العلمية إلى المنصات الرقمية، ومن المختبر إلى الشاشة، ومن الباحث إلى صانع المحتوى
لقد أدرك عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المجتمع لا يقوم على رأس المال الاقتصادي وحده، بل أيضًا على رأس المال الرمزي أي ذلك الاعتراف الذي يمنحه المجتمع للأفراد غير أن هذا الرأس المال لم يعد اليوم يُبنى عبر التكوين العلمي أو الخبرة أو الإسهام الفكري، بل أصبح يُصنع بسرعة عبر الخوارزميات وعدد المتابعين ومعدلات التفاعل، حتى غدا الانتشار نفسه معيارًا للحقيقة، وكأن الشهرة أصبحت دليلًا على المعرفة
غير أن التحول الذي نعيشه اليوم يتجاوز ما وصفه بورديو، لأن رأس المال الرمزي نفسه أعيدت هندسته داخل البيئة الرقمية ففي الماضي كان الاعتراف الاجتماعي يُبنى عبر مسار طويل من التحصيل العلمي، والتجربة المهنية، والإنتاج الفكري، وكان يمر عبر مؤسسات تمنح الشرعية مثل الجامعة، ودور النشر، والمراكز البحثية، والهيئات العلمية أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان اكتساب رأسمال رمزي هائل في زمن قياسي، ليس بفضل المعرفة، وإنما بفضل القدرة على صناعة الانتباه وإدارة الظهور
لقد ظهر ما يمكن تسميته بـ الرأسمال الرقمي وهو شكل جديد من أشكال القوة الاجتماعية لا يستمد قيمته من عمق المحتوى، بل من قابلية المحتوى للانتشار فأصبح عدد المتابعين، ومعدلات المشاهدة، وسرعة التداول، مؤشرات تمنح صاحبها سلطة رمزية قد تتجاوز سلطة الباحث أو الأستاذ الجامعي، رغم أن مصدرها ليس الخبرة العلمية، وإنما الاعتراف الذي تنتجه الخوارزميات والجمهور معًا
وهنا يحدث تحول سوسيولوجي بالغ الخطورة؛ إذ تنتقل عملية إنتاج المكانة الاجتماعية من المؤسسات إلى المنصات فبعد أن كانت الجامعة تمنح الاعتراف للعالم، أصبحت المنصة تمنح الاعتراف للمؤثر وبين الاعترافين فرق جوهري؛ فالأول يقوم على معايير التحقق والتراكم العلمي، أما الثاني فيقوم على التفاعل والانفعال والقدرة على صناعة الجاذبية. وهكذا لم تعد السلطة الرمزية تُكتسب عبر المعرفة، بل عبر إدارة الانتباه، وهو ما يغير قواعد المنافسة داخل المجتمع بأكمله
والأخطر من ذلك أن المجتمع بدأ يخلط بين الشرعية العلمية والشرعية الرقمية فالانتشار لا يعني الصحة، والشهرة لا تعني الخبرة، والتفاعل لا يعني الحقيقة.د غير أن التكرار المستمر لهذه المعايير الجديدة جعلها تبدو طبيعية، حتى أصبح كثير من الأفراد يمنحون الثقة لمن يملأ شاشاتهم أكثر مما يمنحونها لمن يملأ المكتبات بعلمه ومن هنا لا تتراجع المعرفة بسبب ضعفها، بل لأنها أصبحت تنافس في ميدان لا تُكافأ فيه الحقيقة، بل تُكافأ القدرة على جذب الانتباه
في هذا السياق، تراجعت المرجعية المعرفية التي كانت تمنح المختصين سلطة تفسير الواقع فأصبح الطبيب ينافسه صانع محتوى في تقديم النصائح الصحية، والأستاذ الجامعي يزاحمه مؤثر في تحليل القضايا الاجتماعية، والباحث يجد نفسه في مواجهة خطابات سريعة تنتشر لأنها أكثر إثارة لا لأنها أكثر دقة. وهكذا لم تعد المشكلة في وجود الآراء المختلفة، بل في انهيار الحدود الفاصلة بين المعرفة العلمية والانطباع الشخصي
وقد وصف الفيلسوف غي ديبور هذا التحول في كتابه مجتمع الاستعراض، حين رأى أن الصورة لم تعد تمثل الواقع، بل أصبحت تحل محله. فالناس لم يعودوا يستهلكون الحقائق بقدر ما يستهلكون تمثيلاتها البصرية، وأصبح الانفعال يتقدم على التفكير، والظهور يتفوق على الجوهر ومع مرور الوقت، تتشكل ذاكرة جماعية مبنية على المشاهد السريعة لا على الفهم العميق
أما جان بودريار فقد ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن المجتمع يعيش في عالم من "المحاكاة"، حيث تختلط الحقيقة بالتمثيل إلى درجة يصبح فيها من الصعب التمييز بينهما وفي الفضاء الرقمي، تتجسد هذه الفكرة بوضوح؛ إذ يمكن لصورة مصنوعة بعناية أو لمقطع قصير أن يصنع رأيًا عامًا أكثر تأثيرًا من عشرات الدراسات العلمية.
لكن التحول الأخطر لا يكمن في أن الصورة أصبحت أكثر تأثيرًا من الفكرة، بل في أنها أعادت توزيع السلطة داخل المجتمع فكل مجتمع يحتاج إلى مرجعية تحدد من يملك حق تفسير الواقع، وكانت هذه المرجعية تاريخيًا موزعة بين الجامعة، والمدرسة، والكتاب، ومراكز البحث، والمؤسسات الثقافية. أما اليوم، فقد أصبحت هذه السلطة موزعة بين المنصات الرقمية، حيث لا يُنتخب المرجع على أساس خبرته، بل على أساس قابليته للانتشار
وهنا لا يعود السؤال: من يعرف؟بل يصبح: من يستطيع أن يقنع أكبر عدد من الناس في أقل وقت ممكن؟ وهذه النقلة تعني أن المجتمع انتقل من سلطة البرهان إلى سلطة الإقناع البصري، ومن العقلانية العلمية إلى العقلانية الخوارزمية أي العقلانية التي تحددها آليات المنصة أكثر مما يحددها المنهج العلمي
ولعل هذا ما يجعلنا نعيد قراءة أفكار ميشيل فوكو من زاوية جديدة فالسلطة لم تعد تمارس نفوذها فقط عبر المؤسسات التقليدية، وإنما عبر التحكم في إنتاج المعرفة وتوزيعها غير أن الفضاء الرقمي أضاف بعدًا جديدًا؛ إذ أصبحت الخوارزميات هي التي تحدد أي معرفة ستظهر، وأي خطاب سيختفي، وأي قضية ستصبح رأيًا عامًا، وأي فكرة ستظل حبيسة النخب. إنها سلطة لا تصدر الأوامر، بل تعيد ترتيب ما نراه، وما نقرأه، وما نعتقد أنه مهم
ومن هنا أصبحت الخوارزمية فاعلًا سوسيولوجيًا لا يقل تأثيرًا عن المدرسة أو الأسرة أو وسائل الإعلام التقليدية. فهي لا تفرض الأفكار بالقوة، بل تصنع بيئة تجعل بعض الأفكار قابلة للحياة، بينما تموت أفكار أخرى في صمت لأنها لم تحصل على الظهور الكافي. وبذلك لم تعد المعرفة تُنتج فقط داخل الجامعات، بل أصبحت تُنتج أيضًا داخل أنظمة رقمية تتحكم في اقتصاد الرؤية، وتعيد رسم الحدود بين ما يُعرف وما يُنسى، وبين من يُسمع ومن يُقصى.
إننا لم نعد نعيش فقط في مجتمع الصورة ، بل في مجتمع هندسة الانتباه حيث أصبحت السيطرة على انتباه الأفراد تمثل الشكل الجديد للسلطة. فمن يمتلك القدرة على توجيه الانتباه، يمتلك القدرة على توجيه الإدراك، ومن يوجه الإدراك، يستطيع أن يؤثر في الأحكام والقرارات، وربما في مستقبل المجتمعات نفسها.
غير أن التحول لا يقف عند حدود هيمنة الصورة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل هوية الإنسان نفسه فالمنصات الرقمية لا تطلب من الفرد أن يكون عالمًا أو مبدعًا بقدر ما تطلب منه أن يكون مرئيًا باستمرار. وهكذا أصبح الوجود الاجتماعي يقاس بقدرة الفرد على المحافظة على حضوره داخل المجال الرقمي، لا بحجم إسهامه في إنتاج المعرفة. ومن هنا نشأت ثقافة جديدة يمكن تسميتها بثقافة الأداء حيث لا يعود الإنسان مطالبًا بأن يعرف، وإنما بأن يظهر أنه يعرف، ولا بأن يعيش التجربة، وإنما بأن يوثقها وينشرها
وقد تنبه عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان إلى أن الحياة الاجتماعية تقوم على إدارة الانطباعات، وأن الأفراد يقدمون أنفسهم كما لو كانوا ممثلين فوق خشبة مسرح غير أن الفضاء الرقمي تجاوز المسرح الذي وصفه غوفمان؛ إذ لم تعد هناك لحظة يغادر فيها الإنسان الخشبة، بل أصبحت الحياة كلها عرضًا متواصلًا. فأصبح الفرد يصنع نسخة رقمية عن ذاته، ويقضي جزءًا كبيرًا من وقته في إدارتها وتحسينها والحفاظ على جاذبيتها، حتى غدا الاهتمام بالصورة الذاتية يفوق أحيانًا الاهتمام ببناء الذات الحقيقية
وفي هذا السياق، لم تعد الهوية تُبنى عبر الخبرة المتراكمة أو التجربة الإنسانية، وإنما عبر ما يمكن تسميته بالهوية الخوارزميةأي الهوية التي تعيد المنصات تشكيلها وفق ما يحقق أكبر قدر من الانتشار والتفاعل. فالخوارزمية تكافئ ما يثير الانفعال، وتُضعف ما يحتاج إلى التأمل، فتدفع المستخدمين تدريجيًا إلى إنتاج محتوى يتوافق مع منطقها. وبذلك لا تعود الخوارزمية مجرد أداة تقنية، بل تصبح مؤسسة اجتماعية خفية تعيد تشكيل الأذواق، والقيم، وأنماط التعبير، وحتى صورة الإنسان عن نفسه
إن أخطر ما في هذه العملية أن الإنسان لا يشعر بأنه يخضع لسلطة خارجية، لأنه يعتقد أنه يختار بحرية، بينما تكون اختياراته قد تشكلت سلفًا داخل بيئة رقمية تكافئ نمطًا معينًا من السلوك، وتعاقب أنماطًا أخرى بالصمت والتهميش وهكذا تنتقل السلطة من الإكراه المباشر إلى الإغراء المستمر، ومن الرقابة الظاهرة إلى التوجيه غير المرئي، وهي صورة جديدة للسلطة تتجاوز ما عرفته المجتمعات التقليدية، لأنها لا تفرض الطاعة، بل تصنع الرغبة ذاتها
ولا يعني هذا أن وسائل التواصل الاجتماعي هي أصل الأزمة، بل إنها كشفت عن تحول أعمق في الثقافة المعاصرة، حيث أصبحت السرعة تتغلب على التأمل، والإيجاز على التحليل، والإثارة على البرهان. فكلما ازدادت سرعة تداول المعلومات، تضاءلت فرص التحقق منها، وتحولت المعرفة إلى سلعة تخضع لمنطق السوق الرقمي، حيث تكافئ الخوارزميات المحتوى الأكثر جذبًا للانتباه، لا الأكثر قيمة
إن اختزال الأزمة في وسائل التواصل الاجتماعي وحدها يُغفل حقيقة سوسيولوجية أعمق، وهي أن كل وسيلة اتصال جديدة لا تخلق ثقافة من العدم، بل تكشف عن استعدادات كامنة داخل المجتمع وتعيد تنظيمها. فالخوارزميات لم تخلق الميل إلى الإثارة، لكنها اكتشفت أنه أكثر قابلية للانتشار، ولم تصنع الرغبة في الشهرة، لكنها حولتها إلى رأسمال اجتماعي يمكن الاستثمار فيه لذلك فإن التكنولوجيا ليست فاعلًا مستقلًا عن المجتمع، وإنما هي مرآة تضخم ما هو موجود فيه، ثم تعيد إنتاجه بصورة أكثر كثافة وتأثيرًا
ومن هنا فإن الأزمة الحقيقية ليست أزمة معلومات، بل أزمة معايير فالمجتمعات لا تنهار عندما يكثر فيها الكلام، وإنما عندما تضيع فيها القواعد التي تميز بين الرأي والمعرفة، وبين الخبر والدعاية، وبين النقد والتشهير، وبين الشهرة والاستحقاقوعندما تتآكل هذه الحدود، يصبح المجال العام مفتوحًا أمام جميع الخطابات بالدرجة نفسها، فتتراجع قيمة الخبرة، ويضعف الاحتكام إلى البرهان، وتصبح الحقيقة نفسها محل منافسة داخل سوق الانتباه
ولعل أخطر نتائج هذا التحول أنه يعيد تشكيل مفهوم النجاح الاجتماعي فقد كان النجاح يُقاس بالإنجاز العلمي، أو الإبداع الفكري، أو الأثر المهني، أما اليوم فقد أصبح يقاس، في كثير من الأحيان، بسرعة الانتشار، وعدد المتابعين، وحجم التفاعل وهكذا انتقل المجتمع، دون أن يشعر، من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة الظهور ومن اقتصاد الكفاءة إلى اقتصاد الشعبية ومن إنتاج القيم إلى إنتاج الانتباه
إن هذا التحول لا يهدد الجامعة وحدها، بل يهدد فكرة التخصص نفسها فإذا أصبح كل فرد قادرًا على الحديث في كل شيء، وفقد المجتمع قدرته على التمييز بين صاحب المعرفة وصاحب الجمهور، فإن المرجعية العلمية ستتحول تدريجيًا إلى مجرد رأي من بين آراء كثيرة، وستصبح الخبرة العلمية مضطرة إلى منافسة الخطاب السريع داخل فضاء لا يكافئ الدقة، بل يكافئ الإثارة
ومن هنا يمكن القول إن المعركة الحقيقية لم تعد بين الإنسان والتكنولوجيا، بل بين منطقين للمعرفة: منطق يقوم على التراكم، والتحقق، والنقد، والصبر العلمي؛ ومنطق آخر يقوم على السرعة، والانفعال، والاختزال، وقابلية التداول. والسؤال الذي سيحدد مستقبل المجتمعات ليس: أيهما أكثر انتشارًا؟ بل: أيهما سيكون قادرًا على إنتاج وعي جماعي يحافظ على قدرة الإنسان على التفكير قبل أن يستهلك ما يُعرض عليه
إن أخطر ما في هذا التحول ليس صعود المؤثرين، وإنما تراجع الثقة بالمؤسسات المنتجة للمعرفة؛ كالجامعة ومراكز البحث والمدرسة وعندما يفقد المجتمع ثقته في مرجعياته العلمية، يصبح أكثر عرضة للشائعات، وللديماغوجيا، وللخطابات الشعبوية التي تقدم أجوبة سهلة لقضايا معقدة
ومع ذلك، فإن الصورة ليست عدوًا للمعرفة في ذاتها؛ فهي وسيلة قوية للتواصل والتعليم إذا خضعت لمنطق الحقيقة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الصورة من أداة لنقل المعرفة إلى بديل عنها، وعندما يصبح المعيار هو القدرة على صناعة الانتباه لا القدرة على إنتاج الفهم
إن المجتمع الذي يستبدل سلطة المعرفة بسلطة الصورة لا يخسر خبراءه فحسب، بل يخسر أيضًا قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم لذلك فإن استعادة المرجعية المعرفية لا تعني مقاومة التكنولوجيا، بل تعني إعادة الاعتبار للعقل النقدي، وللمؤسسات العلمية، ولثقافة تجعل قيمة الإنسان فيما يعرف ويقدم، لا فيما يظهر ويعرض
ولعل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل فقدت المعرفة مكانتها؟ بل: أي نوع من المجتمعات نصنع عندما تصبح الصورة أكثر تأثيرًا من الفكرة؟ فالمجتمعات لا تتقدم لأنها تمتلك معلومات أكثر، وإنما لأنها تمتلك معايير أفضل لتمييز المعرفة من الوهم، والحقيقة من التمثيل، والعالم من المؤدي، والخبرة من الشهرة. وعندما تضعف هذه القدرة النقدية، يصبح المجتمع قابلًا لإعادة تشكيل وعيه باستمرار وفق ما تفرضه تدفقات الصور، لا وفق ما ينتجه العقل
إن الحضارات الكبرى لم تُبنَ على كثرة المتحدثين، بل على قوة المرجعيات التي تحدد من يملك حق الكلام في كل مجال فلم يكن كل فرد طبيبًا، ولا كل فرد فيلسوفًا، ولا كل فرد مؤرخًا، لأن المجتمع كان يدرك أن التخصص ليس امتيازًا اجتماعيًا، بل شرطًا لإنتاج المعرفة وحماية الحقيقة أما اليوم، فقد أخذت الحدود الفاصلة بين الاختصاص والرأي تتآكل تدريجيًا، حتى أصبح كل موضوع قابلًا للنقاش بالدرجة نفسها، بغض النظر عن سنوات التكوين أو قواعد المنهج أو شروط البرهان
ومن المفارقات أن الثورة الرقمية، التي كان يُفترض أن توسع دائرة الوصول إلى المعرفة، ساهمت في بعض الأحيان في دمقرطة التعبير أكثر من دمقرطة المعرفة فحرية النشر لا تعني بالضرورة جودة المحتوى، وإتاحة المنصة للجميع لا تجعل جميع الخطابات متساوية في القيمة العلمية. وهنا يكمن أحد أكبر التحديات المعرفية في عصرنا؛ إذ أصبح من السهل الوصول إلى المعلومة، لكنه أصبح أكثر صعوبة التمييز بين المعلومة الصحيحة، والتفسير العلمي، والرأي الشخصي، والدعاية، والخداع البصري
لقد انتقلنا، دون أن نشعر، من مجتمع كان يخشى احتكار المعرفة إلى مجتمع يواجه خطر فوضى المعرفة ففي الأول كانت المشكلة أن المعرفة محصورة في قلة من الناس، أما اليوم فالمشكلة أن وفرة المعلومات قد تُخفي ندرة الفهم ولهذا لم تعد الأزمة في نقص البيانات، بل في غياب الأطر الفكرية التي تمنحها معنى، وترتبها، وتخضعها للنقد والتحقق
ولهذا فإن استعادة المرجعية المعرفية لا تعني إعادة السلطة إلى النخب بصورة مغلقة، ولا إقصاء الفضاء الرقمي، وإنما تعني إعادة بناء ثقافة معرفية تجعل الانتشار نتيجةً للقيمة، لا بديلًا عنها، وتجعل الصورة خادمةً للفكرة، لا حاكمةً لها، وتجعل التكنولوجيا وسيلةً لتوسيع العقل، لا لاختزاله فالحضارة لا تُقاس بعدد الشاشات التي تضيء، بل بعدد العقول التي تُضيء بها تلك الشاشات
إن تراجع المرجعية المعرفية لا يمثل أزمة تخص الجامعة أو الباحثين وحدهم، بل هو مؤشر على تحول أعمق في طريقة اشتغال المجتمع نفسه. فكل مجتمع يحتاج إلى منظومة مرجعية تحدد كيف تُنتج الحقيقة، وكيف تُكتسب الشرعية، وكيف تُتخذ القرارات. وعندما تضعف هذه المرجعيات، لا يحدث فراغ معرفي، بل تتقدم مرجعيات بديلة تملأ هذا الفراغ، حتى وإن كانت أقل قدرة على تفسير الواقع
ولهذا، فإن سلطة الصورة ليست مجرد هيمنة بصرية، بل هي تحول في بنية السلطة الاجتماعية فبدل أن تستند المكانة إلى الكفاءة والخبرة والتراكم العلمي، أصبحت تستند، في كثير من الأحيان، إلى القدرة على التأثير السريع، وصناعة الانفعال، وتوجيه المزاج العام. وهنا يتحول الرأي العام من فضاء للنقاش العقلاني إلى فضاء للمنافسة على الانتباه، حيث تنتصر الرسائل الأكثر قابلية للانتشار، لا الأكثر قدرة على الإقناع المنهجي
ومن منظور سوسيولوجي، فإن هذا التحول يعيد إنتاج المجتمع نفسه فالأطفال الذين ينشؤون داخل هذه البيئة لا يتعلمون فقط استعمال التكنولوجيا، بل يتعلمون أيضًا، بصورة غير مباشرة، أن النجاح يقاس بالظهور، وأن الاعتراف الاجتماعي يُكتسب بالانتشار، وأن القيمة ترتبط بحجم الجمهور أكثر من ارتباطها بجودة الفكرة. وهكذا لا تعيد المنصات إنتاج المحتوى فقط، بل تعيد إنتاج الذوق، والطموح، ومعايير التفوق، وصورة الإنسان الناجح
إن أخطر ما في هذه العملية أنها تتم بهدوء شديد؛ فلا توجد سلطة تعلن أن المعرفة لم تعد مهمة، ولا قانون يلغي مكانة الجامعة، ولا قرار رسمي ينزع الشرعية عن المختصين. بل يحدث التحول تدريجيًا عبر تغير العادات اليومية، وأنماط الاستهلاك الثقافي، وآليات الاعتراف الاجتماعي، حتى يجد المجتمع نفسه وقد غيّر معاييره دون أن يشعر. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة الصورة، وإنما في إعادة بناء ثقافة تجعل الصورة امتدادًا للمعرفة، لا بديلًا عنها، وتجعل التكنولوجيا وسيطًا لنشر الحقيقة، لا معيارًا لتحديدها
إن كل حضارة تُعرف في النهاية بالمرجعية التي تمنحها أعلى درجات الشرعية؛ فإذا كانت المرجعية هي العقل، ازدهرت المعرفة، وإذا كانت المرجعية هي البرهان، ازدهر العلم، أما إذا أصبحت المرجعية هي الانتباه وحده، فإن المجتمع يدخل تدريجيًا في مرحلة يصبح فيها الأكثر ظهورًا هو الأكثر تأثيرًا، لا الأكثر معرفة. وعندها لا تكون أزمة المجتمع أزمة معلومات، بل أزمة حضارية تمس طريقة إنتاج الحقيقة نفسها، وتمس قدرة الإنسان على التمييز بين ما يراه وما ينبغي أن يصدقه.

ختاما :
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس صعود الصورة، بل إعادة تعريف الحقيقة نفسها فالحقيقة، عبر التاريخ، لم تكن تُكتسب بالتصويت، ولا بعدد المؤيدين، ولا بسرعة انتشارها، وإنما كانت ثمرة برهان، وتجربة، ونقد، وتراكم معرفي طويل. أما في المجتمع الرقمي، فقد بدأت الحقيقة تخضع لمنطق مختلف؛ إذ أصبح ما يتكرر كثيرًا يبدو صحيحًا، وما ينتشر بسرعة يبدو مهمًا، وما يحصد ملايين المشاهدات يبدو أكثر شرعية، حتى وإن كان يفتقر إلى أي أساس علمي. وهنا تتحول الشهرة من نتيجة للحقيقة إلى منافس لها
إن هذا التحول لا يهدد المعرفة وحدها، بل يهدد وظيفة المجتمع نفسه. فكل مجتمع يحتاج إلى منظومة مشتركة يميز بها بين الصحيح والخاطئ، وبين العالم والدعي، وبين الخبرة والادعاء. فإذا فقد هذه القدرة، دخل في ما يمكن تسميته بأزمة الإدراك الجماعي وهي المرحلة التي لا يعود فيها الخلاف حول الآراء، بل حول الوقائع ذاتها وعندما تصبح الوقائع محل نزاع دائم، تفقد المؤسسات العلمية، والقضائية، والإعلامية، والتعليمية جزءًا من قدرتها على إنتاج الثقة، لأن المجتمع لم يعد يختلف في التفسير فقط، بل في مصدر الحقيقة نفسه
ومن هنا فإن الأزمة التي نعيشها ليست أزمة تكنولوجية، بل أزمة حضارية تمس العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فالإنسان المعاصر يمتلك من المعلومات أكثر مما امتلكته أجيال كاملة، لكنه ليس بالضرورة أكثر فهمًا، لأن وفرة المعلومات لا تعني وفرة المعنى، وسهولة الوصول إلى المعرفة لا تعني القدرة على استيعابها أو نقدها لقد أصبح العقل محاطًا بفيض هائل من البيانات، لكنه يعاني في الوقت نفسه من ندرة التأمل، ومن ضغط السرعة، ومن هيمنة اللحظة العابرة.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي للمستقبل لن يكون على امتلاك تقنيات أكثر تطورًا، بل على امتلاك مجتمعات أكثر قدرة على إنتاج العقل النقدي فالتكنولوجيا تستطيع أن تنقل المعرفة، لكنها لا تستطيع أن تُنتج الحكمة، والخوارزمية تستطيع أن ترتب المحتوى، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان معيارًا أخلاقيًا للحقيقة، والصورة تستطيع أن تثير الانتباه، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الفهم
ولعل السؤال الذي سيحدد ملامح القرن الحادي والعشرين ليس: من يملك التكنولوجيا؟ بل: من يملك القدرة على حماية المعرفة من أن تتحول إلى مجرد صورة، وحماية الحقيقة من أن تتحول إلى مجرد رأي، وحماية الإنسان من أن يقيس قيمته بما يظهره أكثر مما يقيسها بما يعرفه ويبدعه؟ فهناك يبدأ مستقبل الحضارات، وهناك أيضًا يبدأ مستقبل الإنسان نفسه.








إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم