عصابات الأحياء في الجزائر: قراءة سوسيولوجية في انحدار المدينة وانفجار الهامش

 عصابات الأحياء في الجزائر: قراءة سوسيولوجية في انحدار المدينة وانفجار الهامش



بقلم بوخالفة كريم -سوسيولوجي جزائري 

 مقدمة :

ظاهرة «عصابات الأحياء» ليست مجرد مشكلة أمنية أو أخلاقية معزولة؛ هي ظاهرة مركبة تُنتَج عبر تفاعل مجموعة عوامل مركّبة: تغيّر بنيوي في الاقتصاد، إخفاق مؤسسات التنشئة والاجتماع المدني، ديناميات ثقافية جديدة، وسياسات دولة ريعية/بيروقراطية لذلك لا تكفي قراءة واحدة (فرضية بيولوجية أو فردية) نحتاج مقاربة متعددة المستويات (البنيوي، الثقافي، التفاعلي، الرمزي)

فلنعترف، بلا مواربة، أن حكاية المدعو "الوهراني" ليست سوى النتيجة الطبيعية لانهيارٍ قيميٍّ طويل المدى، ولتفككٍ بطيء في البنية الاجتماعية للمدينة الجزائرية. فمشاهد العنف التي تبثها شبكات التواصل ليست مجرد سلوك شاذ أو انفعال لحظة، بل هي نتاج تاريخي وثقافي لبروز "ثقافة الشارع" بوصفها بديلًا عن الدولة والمجتمع معًا لقد تحوّل الرصيف من فضاء للعبور إلى مسرحٍ للهيمنة، ومن مكانٍ عمومي إلى ساحةٍ لتأكيد الذات بالقوة لا بالانتماء، فانبثقت عصابات الأحياء كأشكالٍ موازية للسلطة في واقعٍ يشعر فيه الفرد بالتهميش والإقصاء.

ليست "عصابات الأحياء" مجرّد انحراف أمني أو سلوك شاذ، بل هي ظاهرة اجتماعية وثقافية معقّدةتعكس تآكل منظومة القيم، وانهيار مؤسسات التنشئة، وانسحاب الدولة من فضاءات الشباب، وظهور ما يمكن تسميته بـ "المدينة المتوحشة"حيث تسود القاعدة بدل القانون، والهيبة بدل المواطنة، والعنف بدل الحوار.

إنّ حكاية "الوهراني" وما بثّه من "لايفات" فاضحة لم تكن بداية الظاهرة بل تتويجًا لمسار طويل من التحلل الاجتماعي والرمزي. فقد صار الشارع الجزائري يُنتج رموزه الخاصة، وقيمه البديلة، ويُؤسّس لنظامٍ رمزيٍّ يُكافئ الفوضى ويُشرعن البلطجة تحت مسميات "الرجلة" و"الهيبة" و"حومة الرجال".



 1/جذور او تاريخ الظاهرة :



جذور هيكلية وسياسية-اقتصادية:


1.1 :الدولة الريعية والهشاشة الاقتصادية :


 اقتصاد ريعي يعتمد على الريع النفطي يخلق سوق عمل مشوّه: توظيف سياسي محدود، بطالة شبابية مرتفعة، اقتصاد غير منتِج وانخفاض فرص الترقّي الاجتماعي عبر العمل.

 الشباب الذي ينشأ في ظروف بطالة طويلة الأمد يفتقد مسارات مشروعة للبناء الاجتماعي والاعتراف، فيلجأ إلى مسارات غير مشروعة لإظهار القيمة (الهيبة، التحكم بالحي).


2. التهميش المكاني والتحضّر غير المتكافئ :

 توسّع حضري سريع وغير مخطَّط له (ترييف المدينة) يفرز أحياء هامشية تفتقد الخدمات، فرص العمل، ومؤسسات التربية والثقافة الفعّالة المساحات العمومية تُترك مهملة، فيظهر «الشارع» كفضاء تربوي موازٍ حيث تُعيد الجماعات الصغيرة إنتاج قواعدها.


3/ تاريخ العنف والذاكرة الجماعية

السياقات الجزائرية (العشرية السوداء/العنف السياسي والتجارب القمعية) تركت أثرًا في علاقة المجتمع بالدولة: ضعف ثقة في المؤسسات، ميل للاعتماد على قواعد محلية/عشائرية بدل القانون العام.

  4/أصول ثقافية واجتماعية:


1./أزمة الرموز والقدوة:

 غياب أدوات ثقافية ومدنية تمنح الشباب نماذج إيجابية للنجاح (المهنة، الإنجاز الأكاديمي، العمل الجمعي). بدلاً من ذلك، تتسع ساحة الرموز الاستعراضية (المشاهير الافتراضيون، فناني البارات، نجوم «اللايف») الذين يمجّدون العنف أو الاستهلاك البذيء.


2. التحويل الرمزي للعنف إلى رأسمال :

  كما عند بورديو، ينشأ «رأسمال رمزي» بديل: القدرة على فرض الهيبة، عدد المتابعين، خضوع الجيرة. هذا الرأسمال له سعر اجتماعي يمكن استثماره—لدخول شبكات الانتماء، حماية الذات، أو حتى تجارة غير قانونية.

3. التنشئة الأسرية والاجتماعية المُعطّلة:

 أسر متراخية أو مضغوطة اقتصاديًا لا تملك الوقت أو الموارد لتنشئة فعّالة؛ المدرسة ضعيفة في تثبيت قواعد مدنية/قانونية؛ المساجد قد تتقاطع بأدوار متناقضة بين توجيه ديني ودور اجتماعي محدود.


4. تحولات في الثقافة الشبابية وقطاع الإعلام :


  موسيقى الراب، وسائل التواصل، البثّ المباشر تُسرِّع انتشار أنماط السلوك وتمنح «مكافآت اجتماعية» (مشاهدات، إعجابات) مقابل صور عنيفة أو استفزازية. السوق الإعلامي يربح من الإثارة ويعزز الظاهرة بالانتشار.

5/ أبعاد تفاعلية ورمزية :


1. الشارع كمسرح وهوية:

أفراد العصابات يستخدمون العنف واللوحة الرمزية (الوشم، الأزياء، السلوك) للتفاوض على الهوية والاحترام في المشهد الاجتماعي المحلي. العنف يقرأ كلغة: هو «خطاب» عن الوجود، الرفض، أو الادعاء بالسيطرة.

2. التأطير الجماعي والانسياق:

آليات الانضمام: رفقاء الطفولة، الشعراء المحليون (اللغة العامية)، شبكات المصاهرة، بؤر العمل غير الرسمي. الانتماء يوفر حماية مادية ورمزية؛ يسهّل العنف كحلّ للميديا أو الخلافات.

3. اللايف كقناة اعتراف اجتماعي:

 البثّ الحي يضخم الحدث: يجعل العُنف ملموسًا ويمنحه شرعية عبر مشاهدة الآخرين، ويعطي فاعلَه موقعًا في «سوق الشهرة» المعيب.

 6. آليات الاستمرارية والتكاثر:

1. التقليد والتعلم المشاهدي :

 المشاهدة المتكررة لسلوكيات العنف تنتج إعادة تمثيل اجتماعي، خاصة عندما تُكافأ هذه المشاهد بتعليقات إعجاب أو بهروب من العقاب.

2. اقتصاد الظل وتجنيد الموارد:

العصابات تتغذى على أنشطة غير رسمية: حماية مواقف، ترويج مخدرات، ابتزاز، جز جزئي من الاقتصاد غير النظامي. الموارد تسمح ببقاء التنظيم وتدريب عناصره.

3. عجز الضبط المؤسسي :

 ضعف الامن، الفساد، وغياب البرامج الوقائية الاجتماعية يجعل ردع العنف مكلفًا وغير فعال؛ في بعض الحالات وجود تواطؤ محلي أو صفقات ضمنية يزيد الوضع سوءًا.


 أولًا: من ترييف المدينة إلى فوضى الشارع – الجذور البنيوية للظاهرة :


منذ التسعينيات، عرف المجتمع الجزائري تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والعمرانية توسّعت المدن بسرعة غير محسوبة، فاختلطت القيم الحضرية الحديثة بالقيم الريفية التقليدية، فنتج ما يسميه علماء الاجتماع بـ ترييف المدينة أي انتقال الذهنيات القبلية (الانتماء للحي، الولاء للجهة، العصبية المحلية) إلى الفضاء المدني الذي يفترض أن يقوم على القانون والتعايش.

في هذا الفضاء الهجين، فشل النظام التربوي في دمج الأجيال الجديدة في منطق الدولة المدنية، وغابت المؤسسات الثقافية القادرة على توجيه الشباب. فوجد الفرد نفسه محاصرًا بين دولة غائبة ومجتمع عاجز، وبينهما شارعٌ مفتوحٌ يُغري بالعنف كوسيلة وحيدة للتعبير عن الوجود.

أصبح الحيّ هو الوطن المصغّر، والعنف هو اللغة المشتركة، والهيمنة هي شكل من أشكال الاعتراف الرمزي، في ظل غياب الاعتراف الاجتماعي والمؤسسي.

اذا بين الترييف وفشل الاندماج الحضري نجد 

من منظور سوسيولوجي، تمثل عصابات الأحياء مؤشرًا على عملية "ترييف المدينة"، أي انتقال القيم الريفية القَبَلية (الولاء، النخوة، الثأر، السيطرة على المجال) إلى الفضاء الحضري، كما أشار بورديو في تحليله لظاهرة "العنف الرمزي" حين تنتقل فئات مقصاة من الهامش إلى المدينة دون أن تكتسب رأسمالًا ثقافيًا يؤهلها للاندماج في منطقها المدني.

لقد تحولت المدن الجزائرية بعد التسعينيات إلى فضاءات هجينة، تجمع بين عمرانٍ حديثٍ وسلوكٍ بدائيٍّ، بين بنايات إسمنتية ضخمة وعلاقاتٍ اجتماعية ما تزال تقوم على "نحن وهم"، "حومتنا وحومتهم". هنا تتراجع الهوية المدنية لصالح الهويات الجزئية والحيّاتية التي تولّد العنف كوسيلة دفاعية ضد الآخر.

في هذا السياق، يصبح "الباركينغ" و"الحي الشعبي" رمزين لمجالٍ يحتكره الشاب المهمَّش كتعويض عن فقدان السيطرة على مصيره الاجتماعي. إنه يستعيد "الكرامة" في شكلٍ مقلوب: كرامة مفقودة تُعوّض بالعنف.


 ثانيًا: المقاربة البورديوية – العنف كبديل عن الرأسمال المشروع او العنف كاستثمارٍ في الحقل الاجتماعي :


يُقدّم بيير بورديو أدواتٍ تحليلية دقيقة لفهم هذه الظاهرة من خلال مفاهيمه عن الرأسمال الرمزي، الحقل، والهايبتوس فشباب الأحياء لا يملكون رأسمالًا اقتصاديًا أو ثقافيًا، فيلجأون إلى استثمار العنف كبديلٍ رمزيٍّ عن الرأسمال المشروع

العنف هنا يصبح رأسمالًا اجتماعيًا يمنح صاحبه مكانة داخل الحي، و"الهيبتوس" المتكوّن من خبرات الشارع والعنف اليومي يعيد تشكيل تصورهم عن العالم: منطق القوة، لا القانون؛ الولاء للحومة، لا للوطن.

هكذا تتحوّل الأحياء إلى حقول صراعٍ مصغّرة تعكس فشل الدولة في احتواء الفضاء الحضري وفي إعادة إنتاج النظام الرمزي للدولة الحديثة.

يرى بيير بورديو أن المجتمع يتكوّن من "حقول" تتوزع فيها الرأسمالات: الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، والرمزية.

وفي حالة الأحياء المهمشة في الجزائر، نجد فئة شبابية تفتقر إلى الرأسمال الاقتصادي (العمل والمال)والثقافي (التعليم والمؤهل)، ولا تمتلك سوى رأسمال جسدي ورمزي يستثمر في العنف.

هكذا يُصبح العنف رأسمالًا اجتماعيًا: كلما كان الشاب أكثر "هيبة" أو "خوفًا"، ارتفعت مكانته في الحيّ.

فالسكين والوشم واللغة السوقية ليست رموزًا عبثية، بل أدوات للتفاوض على السلطة داخل الحقل الاجتماعي المصغّر الذي هو الحيّ

العنف هنا ليس جنونًا، بل منطق اجتماعي مقلوب ينتج عن الحرمان والإقصاء. فالشاب الذي لا يعترف به المجتمع كعامل أو مثقف، يُجبر على أن يُعترف به كـ"قوي" أو "كاسر"إنه يستثمر جسده بدل رأس ماله، ويبحث عن السلطة عبر الخطر لا عبر الجدارة. وهكذا تتحول "البلطجة" إلى اقتصاد رمزي في ظل انسداد الأفق.


 ثالثًا: المقاربة التفاعلية الرمزية – العنف كلغة وطقس اعتراف :العنف كلغة للتعبير عن الوجود.

من زاوية التفاعلية الرمزية (جورج هربرت ميد، إرفينغ غوفمان)، يمكن فهم سلوك أفراد عصابات الأحياء كلغة رمزية يتواصلون بها مع المجتمع. إنهم يمسرحون العنف كما يمسرح الممثل دوره، لأن الشارع بالنسبة لهم هو "الخشبة"، والناس هم "الجمهور".

تظهر "اللايفات" الفاضحة، والوشوم، واستعراض السلاح الأبيض، كأفعال رمزية تُعيد إنتاج معنى الرجولة والهيبة في ثقافةٍ ترى في القوة الجسدية بديلًا عن القوة الاجتماعية التي حُرموا منها.

إنها محاولة لصناعة "هوية بديلة" في ظل غياب رموز القدوة وضعف التنشئة الأسرية والمدرسية، حيث تحولت المدرسة من فضاء لتشكيل الوعي إلى مؤسسةٍ بيروقراطيةٍ عاجزةٍ عن الاحتواء. وبذلك، يتحوّل الفضاء الافتراضي إلى امتدادٍ للشارع، وتصبح البلطجة مادة تسويقية، و"اللايف" سلعة رمزية تباع وتُشاهد وتُصفّق لها

تفسّر التفاعلية الرمزية السلوك الإنساني باعتباره تفاعلاً رمزيًا يُعبّر عن المعنى والهوية.

وعليه، فإن أفراد عصابات الأحياء لا يمارسون العنف عبثًا، بل يمسرحونه أمام الجمهور، في الشارع أو على وسائل التواصل.

إنهم يمثلون دور "الرجال الحقيقيين"الذين لا يخافون، يحمون الحي، ويصنعون مجدهم عبر المواجهة الوشم هو "شهادة انتماء"، السكين "رمز سلطة"، واللايف "منبر اعتراف جماعي".

يُصبح العنف خطابًا بديلًا عندما تغيب اللغة، ويصبح اللايف منبرًا للبوح حين تُغلق أبواب المؤسسات.

هكذا تُختزل الرجولة في التبجّح، والمواطنة في السيطرة، والمعنى في عدد المشاهدات.

إنها مسرحة اجتماعية للفراغ الوجودي الذي يعيشه الشاب المهمّش، وهو يحاول أن يثبت لنفسه أنه موجود في عالمٍ لا يعترف بوجوده.


رابعًا: المقاربة الثقافية – من الرجولة إلى الرجلة، ومن الكرامة إلى الهيبة اوحين تتحول "الرجلة" إلى رأسمال رمزي منحط :

وفق المقاربة الثقافية (كليفورد غيرتز)، فإن ما نراه ليس مجرد انحرافٍ فردي، بل نظام رمزي متكامل يعبّر عن ثقافة فرعية شبابية تتغذى من الأغاني المبتذلة، والمخدرات، ووسائل التواصل، وتُعيد تعريف مفاهيم الرجولة والشرف والسلطة.

لقد غابت الرموز الوطنية والثقافية القادرة على الإلهام، فحلّت محلها رموز "البلطجة" و"التبراح" و"المخدرات" و"اللايفات".

صار "الموس" و"الوشم" علامتين هويّتيّتين و"اللايف" وسيلة للاعتراف الاجتماعي، حيث تُقاس الرجولة بعدد المتابعين لا بالتحصيل أو القيم.

بهذا المعنى، فإن عصابات الأحياء هي ظاهرة ثقافية قبل أن تكون أمنية، لأن المجتمع نفسه يستهلك صور العنف ويعيد إنتاجها عبر المزاح اليومي واللغة العامية والأغاني المنتشرة، التي تمجّد الانحراف وتربطه بالهيبة والشجاعة.

من زاوية التحليل الثقافي ، فإن ما يحدث هو تحوّل ثقافي خطير في منظومة القيم الرمزية التي تنظّم العلاقات الاجتماعية.

في الثقافة التقليدية، كانت "الرجولة" مرتبطة بالكرم، الشهامة، حماية الضعيف، وحفظ الشرف.

أما في الثقافة الجديدة التي تُنتجها الشوارع ومواقع التواصل، فقد انقلب المعنى:

أصبحت "الرجلة" تعني القدرة على البطش، والسخرية من القانون، والتباهي بالمخالفات.

إنها "رجولة هجينة" تخلط بين القوة والعنف، وبين الكبرياء والانحطاط، وبين الهيبة والابتذال.

ساهمت الموسيقى التجارية (الراب والراي المبتذل) والأفلام القصيرة والميمات الرقمية في إعادة صياغة صورة "الشاب القوي" بوصفه بطلًا مضادًا للنظام والمجتمع.

فقد تحوّلت الثقافة الشعبية إلى حاضنة للعنف الرمزي، تنشره على أنه جزء من الهوية الجزائرية الحديثة، في حين أنه في الحقيقة نتيجة لتصحر ثقافي وضمور رمزي.


خامسًا: المقاربة الوظيفية– انهيار الضبط الاجتماعي وفقدان المعايير : اومن الشارع إلى الدولة: أزمة الضبط الاجتماعي:

من منظور البنيوية الوظيفية (دوركايم وبارسونز)، تُظهر هذه الظاهرة انهيار مؤسسات الضبط الاجتماعي التقليدية (الأسرة، المدرسة، المسجد، الحيّ) وعجزها عن أداء وظائفها.

لقد خلقت البطالة، والهشاشة الاقتصادية، وتراجع العدالة، نوعًا من الأنوميا (فقدان المعايير) التي تحدث عنها دوركايم.

فحين يغيب القانون الفعلي، يظهر قانون الشارع؛ وحين تفقد الدولة قدرتها الرمزية على الردع، تنشأ دولٌ صغيرة داخل المدن تحكمها "العصابة" لا الشرطة.

بهذا المعنى، فإن ظاهرة "الوهراني" ليست انحرافًا عرضيًا، بل نتاج بنية اجتماعية مريضة فقدت توازنها بين النظام والفوضى .

يصف إميل دوركايم حالة المجتمع الذي يفقد قدرته على ضبط السلوك بـ الأنوميا أي فقدان المعايير.

وهذا ما نعيشه اليوم في المدن الجزائرية: الأسرة فقدت سلطتها التربوية، المدرسة فقدت قيمتها الرمزية، المسجد فقد دوره التوجيهي، والدولة فقدت حضورها في الحياة اليومية.

في هذا الفراغ، يُعيد الشارع إنتاج قوانينه الخاصة من يرفع السكين هو القاضي، ومن يُهدّد هو السيد، ومن يخاف يُهان.

وبذلك، يتحول الحي إلى "دولة داخل الدولة"، لها نظامها الرمزي، وعقوباتها، وشرفها، وولاؤها.

هنا تتراجع "المواطنة" لتفسح المجال لـ"العصبية الحيّاتية"، فينتقل المجتمع من التنظيم إلى التفكك، ومن القانون إلى العرف، ومن الدولة إلى الفوضى.


 سادسًا: البعد النفسي – الحاجة إلى الاعتراف والسلطة :

لا يمكن فهم الظاهرة دون التطرق إلى بعدها النفسي الوجودي فالشاب الذي ينخرط في العصابة يعيش حالة اغتراب مزدوج : فهو مهمّش من مؤسسات الدولة، ومُهمل من أسرته، ومرفوض من سوق العمل.

إنه يعيش نقص الاعتراف الاجتماعي الذي تحدث عنه فيبر وهونيث لاحقًا، فيسعى إلى تعويضه عبر السيطرة والخطر.

العنف بالنسبة له لغة اعتراف بالذات، ولو عبر الخوف.

فحين يقول: "أنا من حومتنا"، فهو لا يعلن مكان الإقامة، بل يعلن انتماء وجوديًا، يعوّض به غياب الهوية الوطنية والمدنية.

سابعًا: من ثقافة المقاومة إلى ثقافة الانحطاط:

كان الشارع الجزائري في الثمانينيات والتسعينيات فضاءً للمقاومة والنقاش والالتزام، أما اليوم فصار فضاءً للهروب والانفلات.

لقد تحولت الرجولة من قيم التضامن والكرم إلى قيم الاستعراض والهيمنة ، وتحوّل الانتماء إلى الحيّ إلى نوع من العصبية الجديدة التي تشبه القبيلة، لكنها بلا شرف ولا ميثاق.

إننا أمام ظاهرة تشييءٍ اجتماعي حيث يُعامل الفرد ذاته كسلعة رمزية في السوق الافتراضي، ويتغذى على التفاعل الجماهيري، فيغيب الضمير الجمعي لصالح النشوة اللحظية بـ"الترند".

الجيل الذي كان يخرج إلى الشارع في السبعينيات والثمانينيات من أجل الوطن والعدالة، صار اليوم يخرج من أجل "الهيبة" و"الترند".

تحولت ثقافة المقاومة إلى ثقافة استعراض، وبدل أن يكون الشارع فضاءً للوعي الجمعي، أصبح فضاءً للتفاهة والعنف.

لقد فقدت المدينة الجزائرية معناها الرمزي كمكانٍ للتعايش، وصارت غابة رمزية يتصارع فيها المهمّشون على فتات الاعتراف.

وهنا تتجلّى الأزمة العميقة التي تواجه المجتمع: أزمة معنى أكثر من أزمة أمن، أزمة رموز أكثر من أزمة قوانين، أزمة تربية أكثر من أزمة شرطة.

ثامنًا: استعادة المدينة – مقاربة سوسيولوجية إصلاحية :

لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بالردع وحده، لأن الردع يُطفئ النار مؤقتًا لكنه لا يُطفئ الجمر الثقافي الذي يغذيها.

الحلّ يكمن في إعادة بناء النسق الرمزي للمجتمع من خلال:

1. إحياء المدرسة كمصنع للمواطنة لا كمركز للحشو المعرفي.

2. إعادة تأهيل الفضاء العام ليكون مساحة للتفاعل المدني، لا مرتعًا للعنف.

3. تمكين الشباب اقتصاديًا وثقافيًا، عبر العمل والمسرح والفن والمبادرات.

4. إعادة الاعتبار للقيم الجماعية والرموز الثقافية الإيجابية بدل رموز البلطجة.

5. خلق خطاب إعلامي بديليُبرز قصص النجاح لا "اللايفات الفاضحة".

فالمدينة ليست فقط عمرانًا بل نظامًا رمزيًا، فإذا فسد رمزه، فسد عمرانُه أيضًا.

 خاتمة:

إنّ ظاهرة عصابات الأحياء في الجزائر ليست أزمة شوارع، بل أزمة مجتمعٍ فقد توازنه بين الحداثة والتقليد، بين القانون والعرف، بين الدولة والحي

إنها مرآة لانهيار القيم، وتفكك الضبط الاجتماعي، وفشل الدولة في إنتاج مواطنة فعالة.

فالعنف الذي نراه في الشوارع هو لغة مجتمع يعجز عن الكلام، وصوت جيلٍ لم يجد من يسمعه.

وما لم تستعد المدينة معناها الثقافي والرمزي، ستبقى "عصابات الأحياء" الوجه الأكثر فجاجة لعجز الدولة والمجتمع عن فهم ذاتهما.

ظاهرة عصابات الأحياء في الجزائر هي نتيجة تراكمية: فشل في إنتاج سبل الاقتصادية والاجتماعية المشروعة لتقدير الذات، إلى جانب سيولة ثقافية وانتشار تقنيات إعلامية تُعيد تعريف الرجولة بالعنف. علاجاتها يجب أن تكون متعددة الأبعاد: أمنية لكن بالأساس اجتماعية وثقافية — استثمار في شباب يوفّر لهم موارد ومكانة دون الحاجة إلى سكين أو لايف. قراءة سوسيولوجية متماسكة تجمع البنى، الرموز، والفاعلين تتيح فهمًا أقوى وتدخلاً أكثر فعالية.

ظاهرة عصابات الأحياء هي المرآة القاسية لمدى فقدان المدينة الجزائرية لمعناها الاجتماعي، وانهيار ما أسماه ماكس فيبر بـ"العقلنة" التي تؤطر السلوك البشري وفق القيم والمعايير إنها أزمة معنى، قبل أن تكون أزمة أمن.

فمن دون إعادة الاعتبار للتربية، والثقافة، والفن، والفضاء العام، سيبقى الشارع هو المربّي الأول، والعنف هو اللغة الوحيدة التي يتقنها الجيل الجديد.

الحل لا يكمن في المزيد من الردع فقط، بل في إعادة بناء النسق الرمزي الذي يمنح للشاب مكانة واعترافًا دون أن يضطر إلى رفع السكين أو فتح "لايف"ليقول: "أنا هنا".








إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم