علم الاجتماع كما أفهمه

علم الاجتماع كما أفهمه - بوخالفة كريم

الاجتماع كما أفهمه

بقلم بوخالفة كريم - سوسيولوجي جزائري

يقول سيينوزا: «لا نضحك، لا نبكي، ولا نكره، ولكن نفهم»

وهي مقولة تعبر عن حياد الباحث، وعن ضرورة تجاوز الانفعال العاطفي في دراسة الظواهر، لفهمها في سياقها دون إصدار أحكام مسبقة.

ويقول بيير بورديو: «عندما يقوم عالم الاجتماع بما يجب أن يقوم به... يخاطر على أنه قد يظهر بصفة الوشي»

وهي مقولة تشير إلى أن عالم الاجتماع عندما يمارس دوره الحقيقي في كشف المستور وفضح البُنى الرمزية للهيمنة، قد يُنظر إليه كمن يُشي بالنظام الاجتماعي، أو يكشف ما يُراد إخفاؤه.

إن علم الاجتماع ليس مرآة ساكنة تعكس الواقع، بل عدسة نقدية تُسائل كل ما يبدو "بديهيًا"، وتُفكك شبكات الهيمنة التي تشتغل خلف الخطاب العام والمؤسسات.

ومن هذا المنطلق، فإن مقولة سيينوزا ليست دعوة للبرود العاطفي، بل للتجرد العلمي الذي يُزيل الحجاب الإيديولوجي، ويعيد ترتيب العلاقات بين الباحث والموضوع. إنها دعوة للفهم لا التبرير، وللتفسير لا التواطؤ.

لكن هذا الفهم نفسه قد يكون خطيرًا. فعندما يُمارس عالم الاجتماع مهمته الحقيقية في تفكيك النسق قد يُصبح، كما قال بورديو، وكأنه "يوشي". ذلك لأن كشف التناقضات البنيوية، وفضح الزبونية، والتمييع المؤسساتي، يعارض مصالح السلطة، ويُهدد تمثيلاتها الرمزية عن ذاتها.

في مجتمعات كالجزائر، حيث تم "تحييد" علم الاجتماع وجعله أداة بيد البيروقراطية أو مجرد خطاب تبريري، يصبح استدعاء هاتين المقولتين موقفًا وجوديًا.

لأن الباحث هنا لا يواجه فقط البنى الاجتماعية، بل أيضًا نظامًا من التواطؤ الرمزي حيث يتحوّل علم الاجتماع إلى وظيفة بيروقراطية خاوية من مهمته الأصلية.

من هنا، فإن الجمع بين مقولة سيينوزا وبورديو يخلق توترًا مُنتجًا: الأول يدعونا للفهم الصافي، والثاني يُذكّرنا بأن هذا الفهم ليس بلا ثمن، بل يحمل مسؤولية أخلاقية وعلمية قد تضع الباحث في موقع الاتهام وبالتالي، فإن عالم الاجتماع الحق لا يكتفي بالتحليل الأكاديمي، بل يتحمّل تبعات المعرفة النقدية حتى حين تُخيف أو تُقلق..

علم الاجتماع كما أفهمه

ليس علمًا محايدًا، ولا مرآة باردة تعكس ما هو كائن. بل هو سلاح رمزي، وعدسة نقدية تُقلق النظام القائم، وتزعج الصور الرسمية التي تُنتجها السلطة عن ذاتها ومجتمعها.

إن عالم الاجتماع الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يُشرّحه ويُربك توازنه الرمزي، كما أراد بيير بورديو حين قال إن مهمتنا "إفساد حفلاتهم التنكرية"، أي تعرية الأدوار الاجتماعية المصطنعة التي تتخفّى خلفها السلطة.

علم الاجتماع، من هذا المنطلق، هو كشف المستور لا تجميل السائد. هو فن "الريبة الخلّاقة"، لا التواطؤ الأكاديمي مع المؤسسات.

فكل خطاب لا يُحرّك الشك هو خطاب فارغ. وكل دراسة لا تُزعزع النسق الذي تُحلّله هي تواطؤ ناعم مع منطق الهيمنة.

وهنا نستحضر ما قاله ألان تورين: "السوسيولوجي الحقيقي هو من يكشف ما يُخفيه المجتمع عن نفسه".

لكن، في سياقاتنا المحلية، أُفرغ هذا العلم من جوهره النضالي والنقدي. فُرّغ من بُعده المزعج، وتم تمييعه في قاعات الدرس، فصار بعض من يُسمّون أنفسهم علماء اجتماع مجرد موظفين معرفيين يُعيدون تدوير الأدبيات، دون أي مساءلة أو مقاومة فكرية.

صاروا أدوات لتبرير ما لا يُبرَّر، ولسان حال أنظمة لا تُفصح عن نواياها.

علم الاجتماع، كما أراه، هو موقف وجودي قبل أن يكون أداة منهجية. هو جرأة على قول ما لا يُقال وإنحياز للحقائق المُغيَّبة، لا التوازنات المصطنعة.

هو صرخة معرفية ضد الظلم المُقنَّع، وأداة لفهم كيف تُعيد السلطة إنتاج نفسها داخل تفاصيل الحياة اليومية، من المدرسة إلى الإعلام، ومن المسجد إلى الإدارة.

فالعلم، دون مساءلة جذريّة، يصبح أداة تضليل راقٍ. والسوسيولوجيا، إن لم تكن في خدمة الوعي، تصير مجرد واجهة تُخفي التواطؤ.

الخاتمة

علم الاجتماع كما أفهمه: موقف، لا مهنة. مقاومة، لا تأقلم. ومشروع تحرّر رمزي ضد كل ما هو مُسلّم به.


إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم