تهميش علم الاجتماع في الجزائر: بين سيطرة السياسي وخيانة المثقف .
بقلم بوخالفة كريم _ سوسيولوجي جزائري
مقدمة :
يبدو أن علم الاجتماع في الجزائر وعموم المجتمعات العربية قد كُتب له أن يعيش على الأطراف، يراقب من بعيد ما يجري في صميم المجتمع، بينما تحبس نتائجه وتحليلاته في رفوف الجامعات أو في تقارير لا يقرأها أحد. هذا التهميش ليس صدفة، بل هو نتيجة شبكة معقدة من العوامل السياسية والثقافية والتاريخية، حيث تتداخل إرادة السلطة، وضعف المؤسسات العلمية، وتناقض دور المثقف، مع هيمنة ثقافة ترى المعرفة النقدية تهديدًا لا ضرورة.
في الجزائر، وُلد علم الاجتماع ليكون ضمير المجتمع، لكنه وجد نفسه منذ البداية سجينًا لجدران الجامعة، مراقَبًا من أجهزة الدولة، محاصرًا بثقافة ترى النقد جريمة، والبحث في المسكوت عنه خيانة. ما يجري ليس إهمالًا بريئًا، بل سياسة واعية لإبقاء العقل النقدي في قفص، حتى يظل الجسد الاجتماعي قابلًا للتطويع.
لا يمكن فهم تهميش علم الاجتماع في الجزائر بمعزل عن التاريخ الطويل لعلاقة الدولة العربية الحديثة بالمعرفة النقدية. فالعلوم الاجتماعية بطبيعتها لا تكتفي بوصف المجتمع، بل تكشف تناقضاته، تفضح علاقات القوة داخله، وتضع السلطة – أي سلطة – أمام مرآة غير مجاملة. وهنا يبدأ الصراع الخفي: السلطة تريد من العلم أن يكون أداة للتجميل، بينما العلم الحقيقي يسعى لأن يكون أداة للتغيير. هذه المفارقة هي جوهر إقصاء علم الاجتماع في الجزائر، حيث تحولت الجامعات إلى "جزر معرفية معزولة"، تنتج خطابًا أكاديميًا بلا أثر عملي، في بيئة سياسية وثقافية ترى التفكير النقدي خطرًا على استقرارها الرمزي والمادي وبهذا فتهميش علم الاجتماع في الجزائر ليس مجرد إهمال إداري أو نقص تمويل، بل هو نتاج بنية سلطوية وثقافية تعيد إنتاج نفسها عبر التحكم في المعرفة النقدية. فالعلوم الاجتماعية – بما فيها علم الاجتماع – لا تُقصى لأنها عاجزة، بل لأنها خطيرة سياسيًا، إذ تستطيع كشف المسكوت عنه وتحويله إلى قضية رأي عام. قراءة هذه الظاهرة من منظور المقاربات السوسيولوجية تكشف أن الأمر أعمق من "غياب إرادة"، فهو مرتبط بتوزيع القوة، وأنماط الشرعية، والثقافة السياسية، وإعادة إنتاج الهيمنة.
///الدولة… حين تخاف من مرآتها:
الدولة… من إدارة المجتمع إلى إدارة صورته!
منذ الاستقلال، تعاملت السلطة مع المعرفة الاجتماعية بعقلية "الإدارة الأمنية" لا "الإدارة التنموية". أي بحث يجرؤ على كشف البنية الحقيقية للفساد، أو يدرس طبيعة السلطة المحلية، أو يحلل آليات الزبائنية، يُخنق في المهد.
إنها السلطة التي تريد من عالم الاجتماع أن يكون مروضًا للحقائق، لا كاشفًا لها. أن يكتب تقارير تُرضي الوزارات، لا تُحرجها. أن يكون شاهدًا صامتًا، لا ناقدًا ناطقًا.
الدولة الجزائرية، منذ الاستقلال، ورثت نموذج الإدارة المركزية الذي تشكل في الحقبة الاستعمارية، حيث المعرفة الاجتماعية كانت أداة استخباراتية أكثر من كونها أداة تنموية. هذا الإرث جعل السلطة تميل إلى نوع محدد من المعرفة: تلك التي تخدم صياغة الخطاب الرسمي وتدعم شرعيته، لا تلك التي تطرح أسئلة مزعجة.
حين يُقصى علم الاجتماع من مراكز القرار، يُصبح مجرد تخصص جامعي شكلي، بلا تمويل بحثي حقيقي، وبلا مؤسسات استشارية تستفيد من نتائجه. في المقابل، يتم استيراد الاستشارات من الخارج، في تناقض صارخ مع وجود آلاف الباحثين المحليين القادرين على قراءة الواقع بلغته الثقافية والسياسية.
غياب بنك وطني للمعلومات الاجتماعية، ضعف الربط بين البحث العلمي والسياسات العمومية، والرقابة غير المعلنة على مواضيع البحث، كلها مظاهر لسياسة "تعقيم المعرفة" حتى لا تتحول إلى أداة مساءلة.
منطق الدولة الحديثة يقوم على أن العلوم الاجتماعية هي جهاز استشعار مبكر يفكك الأزمات قبل أن تنفجر، ويقترح إصلاحات مدروسة. لكن في السياق الجزائري والعربي، السلطة السياسية تتوجس من أي خطاب يقرأ المجتمع بعمق، لأنها تعتبره كشفًا لـ"المستور" الذي يُفضل إبقاؤه في الظل. فالتقارير العلمية ليست مجرد أرقام؛ إنها خرائط للصراع الاجتماعي، وتفكيك للبنية الثقافية، وتشخيص للخلل المؤسسي، وكل هذا قد يحرج السلطة أمام شعبها أو أمام نفسها.
هكذا تحوّل علم الاجتماع إلى "ديكور أكاديمي"، يُسمح له بالوجود، لكن يُسحب منه الأثر العملي، وتُقطع الصلة بين الجامعة وصانع القرار. غياب التمويل، ضعف مراكز البحث، انعدام بنك معلومات اجتماعي وطني، كلها أعراض لسياسة "التجفيف المعرفي" التي تمارسها الدولة حتى لا يتحول العلم إلى أداة ضغط أو مساءلة.
//المقاربات السوسيولوجية لفهم الظاهرة :
بورديو – الحقول والرأسمال الرمزي :
يشرح بيير بورديو أن المجتمع يتكون من "حقول" تتنافس على السلطة الرمزية والمادية، وكل حقل يسعى لفرض تعريفه للمعرفة الشرعية.
في الجزائر، الحقل السياسي يهيمن على الحقل الأكاديمي، فيحدد ما يُمول وما يُقصى.
علم الاجتماع النقدي يهدد الرأسمال الرمزي للسلطة لأنه يكشف البنية العميقة للفساد والزبائنية، ولذلك يتم تحييده أو إفراغه من مضمونه، ليصبح مجرد أداة تزيين للخطاب الرسمي.
2. فيبر – البيروقراطية والشرعية:
ماكس فيبر يرى أن البيروقراطية المثالية تُدار وفق عقلانية قانونية، لكن في الجزائر تحولت البيروقراطية إلى آلية لحماية شبكات النفوذ، لا لخدمة المصلحة العامة.
هذا يجعل أي بحث اجتماعي جاد تهديدًا مباشرًا للشرعية البيروقراطية، لأن نتائجه قد تكشف كيف تُصنع القرارات على أساس الولاء لا الكفاءة، وكيف يتم استبعاد المعرفة التي قد تكسر هذه الدائرة.
3. المقاربة الثقافية – ثقافة الخوف من النقد :
الثقافة السياسية الجزائرية، الموروثة من الاستعمار والحكم المركزي، ترى في النقد العلني للمجتمع أو السلطة "مساسًا بالوحدة الوطنية".
هذه العقلية تجعل البحث السوسيولوجي النقدي يُصنَّف كعمل تخريبي بدل أن يُنظر إليه كخطوة للإصلاح، ما يبرر سياسات التضييق ويغذي الرقابة الذاتية لدى الباحثين.
4. النظرية النقدية – المعرفة أداة تحرر أو أداة هيمنة :
مدرسة فرانكفورت تطرح أن المعرفة إما أن تحرر الإنسان من السيطرة أو تُستخدم لتبرير هذه السيطرة.
في الجزائر، تم توظيف علم الاجتماع في كثير من الأحيان لتجميل الواقع أو إنتاج تقارير تخدم السياسات القائمة، بدل أن يكون أداة لمساءلتها.
هكذا يتحول الباحث من شاهد على الحقيقة إلى جزء من جهاز إعادة إنتاج الهيمنة.
عبر هذه المقاربات، يظهر أن تهميش علم الاجتماع ليس حادثًا عرضيًا، بل هو آلية متكاملة لإعادة إنتاج السيطرة الرمزية والمادية.
العقل الحر – وفق هذا التحليل – هو من يحاول إعادة تعريف الحقل الأكاديمي ليكون مستقلاً، بينما العقل المروض هو من يقبل أن يعمل داخل الحدود التي رسمتها السلطة والثقافة السائدة.
الصراع بينهما ليس صراعًا أكاديميًا فقط، بل هو صراع على معنى المعرفة نفسها: هل هي ملك للمجتمع أم أداة بيد السلطة؟
//المثقف… بين خيانة الرسالة أو دفع الثمن: او
المثقف… بين التواطؤ والصمت القسري!
المثقف الجزائري عاش وما زال يعيش مأزقًا مزدوجًا: فمن جهة، هناك من اختار الاصطفاف مع الخطاب الرسمي، فأنتج معرفة مهادنة لا تقترب من الملفات الحساسة، مما حوّله إلى "تقني خطاب" أكثر منه باحثًا حرًا. هؤلاء يجدون الدعم، المنابر، والجوائز، لكنهم يفقدون الصدقية أمام زملائهم وأمام التاريخ.
ومن جهة أخرى، هناك مثقفون اختاروا الوفاء للمنهج النقدي، فتم تهميشهم، حرمانهم من المنابر، أو دفعهم إلى العزلة الأكاديمية. هؤلاء يواجهون واقعًا قاسيًا: إما أن يُدجّنوا خطابهم ليُسمح لهم بالاستمرار، أو يظلوا في الهامش، صامدين لكن بلا تأثير جماهيري واسع.
إذا كانت الدولة تتحمل مسؤولية سياسية، فإن المثقف يتحمل مسؤولية أخلاقية. جزء من النخبة الأكاديمية ارتضى أن يتحول إلى "موظف معرفة" يكتب ما يرضي المؤسسة، ويجري بحوثًا شكلية لا تمس البنية العميقة للمجتمع، خوفًا من العقوبات أو طمعًا في الامتيازات. هذه الظاهرة أنتجت "سوسيولوجيا بلا أسنان"؛ تصف الظواهر بلغة محايدة، وتتجنب الاقتراب من الملفات المحرمة: الفساد البنيوي، الزبائنية، العنف الرمزي، أو فشل السياسات العمومية.
في المقابل، هناك قلة من المثقفين الذين تمسكوا برسالتهم النقدية، لكنهم دفعوا الثمن تهميشًا أو إقصاءً أو نفيًا غير معلن، فصوتهم ظل خافتًا في بحر من الضجيج الأيديولوجي والإعلامي
هنا نجد انفسنا بين نوعين من المثقفين … بين من باع ومن صمد!
في المشهد الأكاديمي، نرى مثقفًا باع قلمه مقابل مقعد في لجنة أو منصب إداري أو عقد تمويل، فتحول إلى موظف في جهاز إنتاج الرواية الرسمية. ونرى مثقفًا آخر، نادرًا، رفض أن يبيع ضميره، فوجد نفسه مهمشًا، مُبعدًا عن المنابر، أو مدفوعًا إلى منفى صامت داخل بيته أو مكتبه.
هذه الخيانة المزدوجة – من السلطة التي تحاصر، ومن المثقف الذي يساوم – هي ما جعل علم الاجتماع في الجزائر يعيش بلا صوت مسموع.
////المجتمع… اللامبالاة الموروثة :
المجتمع الجزائري، كغيره من المجتمعات العربية، يعاني من ضعف في الوعي بقيمة العلوم الاجتماعية. في الثقافة الشعبية، يُنظر إلى علم الاجتماع على أنه "ترف فكري" أو "نقاش صالونات"، لا أداة لتشخيص مشكلات البطالة، العنف، الفساد، والعزوف السياسي.
هذا الإدراك المحدود يجعل الضغط الشعبي على السلطة لدعم البحث الاجتماعي شبه غائب. ومع غياب هذا الضغط، تجد الدولة مبررًا لإهماله، وتستمر الدائرة المغلقة: مجتمع لا يطالب، سلطة لا تدعم، وجامعة تكتفي بتخريج دفعات جديدة إلى سوق عمل مغلق.
لا يمكن إعفاء المجتمع نفسه من المسؤولية. فالثقافة الشعبية السائدة، الموروثة من قرون من الحكم المركزي والوصاية الفكرية، جعلت المواطن ينظر إلى علم الاجتماع كترف أكاديمي لا علاقة له بالخبز اليومي. في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متلاحقة، يختزل الناس قيمة العلم في قدرته على "توفير وظيفة" أو "تحقيق ربح مادي"، بينما العلوم الاجتماعية تقدم لهم شيئًا أعمق وأبعد مدى: وعي نقدي، أدوات تحليل، وقدرة على فهم الذات.
غياب هذا الوعي يجعل الضغط الشعبي على الدولة لدعم البحث الاجتماعي شبه معدوم، فتجد السلطة مساحة مريحة لإهماله.
المجتمع… المتلقي الذي فقد شهيته للمعرفة !
لا يمكن إعفاء المجتمع نفسه من المسؤولية. فالثقافة العامة تُقاس اليوم بمدى قربها من السوق، لا من الحقيقة. المواطن العادي، المنهك بأزماته اليومية، لا يرى في علم الاجتماع أداة لتحسين حياته، بل مجرد حكايات نظرية لا تعني لقمة العيش.
غياب الطلب الشعبي على المعرفة النقدية يجعل تهميشها أسهل، ويمنح السلطة والمثقف المهادن غطاءً للاستمرار في لعبة الصمت.
////استعادة الثقة… مهمة إنقاذ ثقافي:
نحو استعادة الدور المغيّب !
استعادة علم الاجتماع تتطلب إرادة سياسية ووعيًا مجتمعيًا متزامنين:
على مستوى الدولة: تحويل مراكز البحث الاجتماعي إلى مؤسسات استشارية رسمية في صياغة السياسات.
على مستوى المثقف: الخروج من "منطقة الأمان" والخطاب المعلّب، والعودة إلى دوره كمحرّك للنقاش العمومي.
على مستوى المجتمع:إدراك أن المعرفة الاجتماعية ليست ترفًا، بل أداة لتحسين نوعية الحياة ومواجهة الفساد والعنف والتهميش.
إعادة الاعتبار لعلم الاجتماع ليست مجرد مطلب أكاديمي، بل مشروع حضاري. يجب أن تتحول الجامعة إلى مؤسسة منتجة للمعرفة الميدانية، مرتبطة بمشاريع الدولة التنموية، وأن يُعاد تعريف المثقف كفاعل نقدي لا كمجرد موظف. كما يحتاج المجتمع إلى ثورة في الوعي، تضع المعرفة في قلب مشروع النهضة، لا على هامشه.
الثقة في علومنا وفي إنساننا يمكن أن تُستعاد حين نكسر الحواجز بين البحث العلمي والقرار السياسي، وحين يصبح تحليل الظواهر الاجتماعية ضرورة استراتيجية لا تهديدًا أمنيًا، وحين نمتلك الشجاعة لمواجهة عيوبنا بعيون مفتوحة لا بمرآة مكسورة.
////التاريخ… ذاكرة الترويض الطويلة !
لقد ورثت الجزائر، مثل باقي العالم العربي، ذاكرة طويلة من ترويض العقول: الاستعمار الفرنسي الذي كان يخاف من أي وعي جمعي، ثم مرحلة ما بعد الاستقلال التي ورثت جهاز الدولة الاستعمارية بمركزيته وعقليته الرقابية.
النتيجة: الجامعة أصبحت نسخة أخرى من الدائرة الإدارية، لا مصنعًا للعقول الحرة.
موقفنا… لا إصلاح بلا تحرير العقل :
نحن لا نطالب بزيادة التمويل ولا بزيادة المؤتمرات، بل نطالب بتحرير العقل الاجتماعي من رقابة الدولة ومن خيانة المثقف المهادن.
نطالب بأن يصبح علم الاجتماع طرفًا في صنع القرار، لا شاهدًا عليه. أن تفتح بيانات الدولة أمام الباحثين، وأن تتحول الجامعة إلى مختبر وطني للمعرفة الحية، لا متحفًا للنصوص الأكاديمية الميتة.
خاتمة :
تهميش علم الاجتماع في الجزائر ليس حادثًا عرضيًا، بل هو سياسة غير معلنة لضبط تدفق المعرفة والتحكم في تأثيرها. لكن بقاء هذا الوضع يعني استمرار القرارات العمياء، والسياسات التي تفتقر لفهم البنية العميقة للمجتمع. إن إنقاذ علم الاجتماع هو في جوهره إنقاذ لحق المجتمع في أن يعرف نفسه، وبدون هذا الحق، ستظل الجزائر – كغيرها من المجتمعات العربية – تدور في حلقة أزمات تتكرر بوجوه جديدة.
تهميش علم الاجتماع في الجزائر ليس مجرد خطأ سياسي، بل جريمة ثقافية، لأنه يقطع الصلة بين المجتمع وصورته الحقيقية.
إنه صراع بين عقل حر يعرف أن المعرفة قوة، وعقل مروض يرضى بأن تكون المعرفة ديكورًا للنظام.
إما أن نستعيد علم الاجتماع كأداة تحرير، أو نبقى ندور في حلقة أزمات نصنعها بأيدينا، ونحللها بعيون غيرنا.
