عندما يحكم الشك بدل القانون: عن فوضى النيابة الجماعية وتآكل شرعية المؤسسات !
بقلم:بوخالفة كريم _ سوسيولوجي جزائري
مقدمة:
يبدو أن الجزائر اليوم تشهد لحظة اجتماعية حرجة، تنذر بتحوّل خطير في علاقة المواطن بالمؤسسة. مشاهد تتكرر: امرأة تُجرد من جلبابها في الشارع بحجة أنها "مشعوذة"، أب يُضرب في قسنطينة أمام ابنه لأنه "مشتبه فيه بخطف طفل"، شباب يطاردون من يشتبهون فيه قبل تسليمه للشرطة... مشاهد لا تخرج من العدم، بل تنبثق من عمق الأزمة المؤسسية التي تعاني منها الدولة الجزائرية، حيث لم تعد مؤسسات الضبط، والقضاء، والحماية الاجتماعية، قادرة على احتواء هلع الناس، ولم تعد مؤهلة لأن تكون المرجعية الوحيدة للعدالة والنظام. فما الذي يحدث؟ ومن سمح للمجتمع بهذا القدر من التوحش المؤسَّس؟ ولماذا يُستبدَل القانون بالشائعة، والمؤسسة بالغوغاء، والمواطن بالقاضي؟
أولًا: من تفكك الدولة إلى بدائل المجتمع !
إميل دوركايم، في تحليله للأنومي (اللامعيارية)، يرى أن المجتمع يدخل حالة من التفكك حين تنهار المعايير والسلطات المنظمة. ما نشهده اليوم في الجزائر ليس سوى تعبير صريح عن حالة "أنومي مؤسساتي"، حيث تفقد الدولة مصداقيتها كضامنة للأمن، فيبدأ الناس في "الاجتهاد الجماعي" لتعويض غيابها ففي حادثة المرأة المتهمة بالشعوذة، لم يكن الحضور الشعبي فعلًا أخلاقيًا بقدر ما كان استعراضًا للذعر الجماعي، والخوف من "المجهول"، ولكن ضمن فراغ قانوني وأخلاقي واضح. لقد انهارت الثقة في أن الشرطة أو القاضي سيتصرفان بالشكل المطلوب، فنهض الجمهور بدور المشرّع والمنفّذ، بشكل فوضوي وقمعي.
ثانيًا: صعود "الرعاع العادلين !
يمكننا قراءة هذه الظواهر من منظور فلسفي أكثر عمقًا، انطلاقًا من نيتشه الذي ميّز بين "القطيع" و"الفرد الحر". في ظل دولة ضعيفة، يغيب القانون، ويصعد "القطيع الأخلاقي"، الذي يخلط بين العدالة والانتقام، ويستمد سلطته من العدد لا من الحق.
ميشال فوكو، من جهته، كان سيقرأ ما يحدث كتحوّل للسلطة من المركز (الدولة) إلى الهامش (الجمهور)، حيث ينتج الناس سلطات جديدة: سلطة الإشاعة، سلطة الميديا، سلطة الجماهير الغاضبة. هذه السلطات الجديدة لا تخضع للرقابة، بل تعاقب انطلاقًا من الظن، وتدين باسم "الإحساس الجمعي بالخطر". في حادثة الأب بقسنطينة، لم تكن الجماعة تبحث عن الحقيقة، بل كانت تستعرض سلطتها الجديدة: أن تحكم، أن تُدين، أن تُعاقب... ثم تعتذر بعد فوات الأوان.
ثالثًا: "تشييء" الإنسان وعودة السلط الأخلاقية التقليدية !
بيير بورديو يمكن أن يضيء لنا البنية الخفية لهذا السلوك الجماهيري من خلال مفهوم "رأس المال الرمزي"، حيث يفقد الفرد قيمته بمجرد أن يُشتبه فيه. فالمرأة المشتبه فيها بالشعوذة لا يُنظر إليها كإنسان، بل كـ "جسد مشبوه" فاقد للشرعية، وجب تطهيره. كذلك الأب في قسنطينة، أصبح مجرد تهديد متحرك... إنه "الآخر الخطير" الذي يجب إقصاؤه حتى قبل التحقق.
نحن أمام عودة قوية لما يسميه ميخائيل باختين بـ"ثقافة الكرنفال المعكوس"، حيث يتحول الجمهور إلى قاضي، والشارع إلى ساحة محاكمة، ولا يعود هناك أي تمييز بين الإشاعة والحقيقة، بين الخبر والتخمين، بين الإنسان والتهمة.
رابعًا: ضعف المؤسسات وغياب الثقة الاجتماعية !
في ظل غياب الأدوار الحقيقية للدولة، يُجبر المواطن على لعب أدوار ليست له، من الطب إلى الأمن إلى العدالة. خلال أزمة الأوكسجين مثلًا، أو حرائق الغابات، أو الكوارث الطبيعية، لم تتدخل المؤسسات إلا بعد أن "أجبرها" الشعب بفعل الضغط أو التضامن الشعبي، ما ولّد وهمًا قاتلًا مفاده: "إن لم نفعل نحن، فلن يفعل أحد".
لكن، هنا تكمن الخطورة: عندما يعوّض المواطن المؤسسات بشكل دائم، تنهار الدولة ويختل العقد الاجتماعي. فدور المواطن ليس جمع التبرعات، ولا تعويض الأطباء، ولا القبض على المتهمين، بل أن يكون شريكًا مدنيًا ضمن منظومة تحفظ حقوقه وواجباته. لكن ماذا لو تخلّت الدولة عن واجباتها؟ ما الذي يتبقى للمواطن غير التحوّل إلى سلطة بديلة؟
خامسًا: الثقافة السياسية والاجتماعية وراء الظاهرة – سوسيولوجيا الفوضى المقنّعة!
ثقافة الشك، وتضخم الخطاب الديني غير المؤطر، وشيوع القصص الأسطورية (كالمشعوذة، والطفل المختطف، والسحر الأسود...)، كلها مؤشرات على هشاشة عقلانية الدولة والمجتمع معًا. نحن نعيش زمنًا لا تشتغل فيه المؤسسات بفاعلية، ولا يشتغل فيه العقل النقدي الجماعي، فيحدث الفراغ، ويُملأ بخطابات "الغيرة على المجتمع"، "حماية الشرف"، "الدفاع عن الأطفال"... وهي جميعًا تُستعمل كأقنعة للفوضى.
ما يحدث ليس "غيرة على الوطن"، بل تخلٍ ممنهج عن المرجعيات القانونية والعقلانية، باسم مشاعر فوضوية تقمصت ثوب الأخلاق. هنا يصبح الشك تهمة، والسماع دليل، والغوغاء محكمة، والاعتداء على الناس شجاعة.
خاتمة: الدولة لا تُختصر في العلم والنشيد بل في أفعالها.
إذا كانت الدولة هي مجموعة من المؤسسات التي تحتكر العنف المشروع (كما يقول ماكس فيبر)، فإن ما نعيشه اليوم هو "تسرّب" لهذا العنف من المؤسسة إلى المجتمع. حين يتراخى الأمن، ويتقاعس القضاء، ويُفرغ التعليم من محتواه، يُولد جيل يختزل العدالة في الضرب، والأمن في القبض العشوائي، والغيرة على الوطن في الصراخ على امرأة تُشك في لباسها.
ما نحتاجه ليس وعظًا أخلاقيًا بل ترميمًا لمؤسسات الدولة، وإعادة بناء ثقة المواطن بها، وإرساء ثقافة حقوقية قانونية تمنع الناس من التحوّل إلى قضاة هواة. فالشعب لا يعوّض الدولة. وإن فعل، فإننا أمام بداية الفوضى لا بناء الوطن.
مراجع البحث :
1. إميل دوركايم، تقسيم العمل الاجتماعي، ترجمة: مصطفى سويف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2005.
2. ميشال فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة: جورج قرم، دار المدى للثقافة والنشر، بغداد، 1994.
3. فريدريك نيتشه، في أصل الأخلاق وفصلها، ترجمة: فليكس فارس، منشورات التنوير، بيروت، 2012.
4. بيير بورديو، إعادة الإنتاج: عناصر لنظرية في نظام التعليم، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1995.
5. ماكس فيبر، السياسة بوصفها حرفة، ترجمة: سامر أبو هواش، منشورات الجمل، بيروت، 2010.
6. محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001.
7. حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر: بحث اجتماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000.
8. علي الوردي، وعاظ السلاطين، دار الوراق للنشر، لندن، 1995.
9. زهير الذوادي، سوسيولوجيا الفوضى: المجتمع والدولة في العالم الع
ربي، دار الطليعة، بيروت، 2007.
