تضخيم النجاح الدراسي في الجزائر: قراءة سوسيولوجية في فلك الاحتفال الزائف
بقلم بوخالفة كريم _ سوسيولوجي جزائري.
مقدمة
في السنوات الأخيرة، تحوّل النجاح في امتحانات بسيطة نسبيًا، مثل شهادة التعليم المتوسط (BEM)، من كونه مرحلة عادية في المسار الدراسي، إلى حدث وطني ضخم تتداوله الصحافة، وتتفاعل معه مواقع التواصل الاجتماعي، وتحتفل به العائلات بأشكال تكاد تشبه الاحتفال بالأعياد أو الأعراس. هذه الظاهرة ليست عفوية أو سطحية كما تبدو، بل هي نتاج تحولات عميقة في البنية الثقافية، النفسية والاجتماعية للمجتمع الجزائري تعكس اضطرابًا في تصور النجاح، وضعفًا في العلاقة مع المستقبل، واختلالًا في تمثل المسار العلمي والتعليمي.
أولًا: المجتمع والرمزية الزائفة للنجاح:
من منظور سوسيولوجي، يمكن اعتبار هذا السلوك نوعًا من التعويض الرمزي، حيث يُضفى على حدث عادي قيمة مبالغ فيها لتعويض هشاشة شعور المجتمع بالإنجاز الجماعي الحقيقي. فغياب مشروع وطني معرفي أو اقتصادي واضح يجعل من كل إنجاز فردي صغير رمزًا عامًا. نجاح الطفل في شهادة متوسطة يصبح في نظر العائلة انتصارًا نادرًا في محيط يطغى عليه الإحساس بالعجز واليأس.
هذه المبالغة في الاحتفال تكشف كذلك عن تماهٍ نفسي بين الطفل وذويه: فالنجاح ليس فقط نجاحًا له، بل هو استعادة رمزية لكرامة العائلة، وإعادة تشكيل وهمي لهوية فاعلة في محيط اجتماعي عاجز عن صناعة النماذج الحقيقية.
ثانيًا: الإعلام وثقافة الاستعراض:
في مجتمع يشهد تحولًا رقميًا سريعًا، يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في صناعة "الأحداث" وليس فقط تغطيتها، الصحافة الجزائرية، خاصة في شكلها الرقمي، تغذي منطق التفاعل السريع والانفعال العاطفي، وهو ما يدفعها نحو تضخيم ما يجلب المتابعة. وهكذا، يتحول خبر نجاح طفل صغير إلى قصة وطنية، تروى بصيغة درامية أو بطولية، دون وعي بآثاره على الطفل أو المجتمع.
هذا الخطاب الإعلامي يُشبع حاجة نفسية جماعية لـ"الأمل اللحظي"، لكنه في الوقت ذاته يرسّخ ثقافة النجاح السطحي، ويضغط على الأطفال الآخرين الذين لم ينجحوا أو لم يتمكنوا من تحقيق ترتيب متقدم. إن الإعلام هنا لا ينقل الواقع، بل يعيد تشكيله وفق منطق السوق والتفاعل، وهو ما ينعكس على الأسرة والمدرسة والمجتمع بأسره.
ثالثًا: الطفولة تحت ثقل الإنجاز:
تُنتج هذه الظاهرة طفولة محمّلة بثقل التوقعات والتمثيل الاجتماعي. الطفل الذي يجتاز امتحانًا بسيطًا، يجد نفسه فجأة تحت الأضواء، يتلقى التهاني كما لو أنه أنقذ الأمة، ويُمنح ما يشبه "التحرر الرمزي" من التزامات المرحلة الثانوية. هذا يُنتج تمثّلًا خاطئًا للنجاح، ويضعف استمرارية الجهد، ويجعل من الانضباط مسألة ظرفية لا ثقافة مستمرة.
من زاوية فلسفية، هذا يُشير إلى تشييء المعرفة نفسها: فالمعرفة لم تعد قيمة في ذاتها، بل مجرد وسيلة للظهور الاجتماعي, وهذا ما يشجع التلميذ لاحقًا على اللجوء إلى الغش، أو الطرق السريعة، لأنه لا يرى في النجاح بناءً ذاتيًا بل فرصة للتكريم الجماعي العابر.
رابعًا: الخلفية الثقافية للحدث الزائف:
يجب ألا نغفل البعد الثقافي في هذه المبالغة: فالمجتمع الجزائري، المأزوم في اقتصاده وفي مشروعه النهضوي، يعيش في نوع من الثقافة الاحتفالية التعويضية ، وحين تغيب الأعياد الوطنية التي توحّد، وتنهار مشاريع التنمية التي تفخر بها الشعوب، تصبح النجاحات الفردية فرصًا للاحتفاء الجماعي الرمزي.
كما أن هذا المجتمع لا يزال رهينًا لفكرة أن التعليم هو المنفذ الوحيد للترقي الاجتماعي، في ظل انسداد سبل التشغيل، وانعدام الثقة في العدالة الاقتصادية. وبالتالي، أي خطوة نحو النجاح الدراسي تُقابل بما يشبه التقديس، لأنها تمثل الأمل الأخير في النجاة من الطبقات الدنيا.
خاتمة: حين يتحول المسار إلى لحظة، والنجاح إلى مسرح.
النجاح الحقيقي لا يُقاس بلحظة إعلامية أو بصفحة فايسبوك، بل بمسار طويل من الجهد والتكوين الذاتي والمسؤولية. أما حين يتحول امتحان متوسط إلى حدث وطني، فهو ليس فقط نتيجة لمجتمع يُحب المبالغة، بل لمجتمع يعاني من ضمور في الأفق، وهشاشة في الثقة، وانهيار في المعايير.
إن ما نحتاجه ليس تقليلًا من قيمة ما يحققه أطفالنا، بل إعادة وضع النجاح في سياقه الطبيعي, وتجنيب الطفل ضغط التمثيل الاجتماعي، وتشجيعه على الاستمرارية، لا على الاحتفال، لأن المعرفة ليست مهرجانًا، بل بناء إنساني طويل ومعقد .
ليس كل ما يبدو بسيطًا عاديًا، فالواقع ليس شفافًا… و’المسافة غير حقيقية‘ ليست فقط على زجاج الحافلات، بل محفورة في صمت الناس و
مظاهر الحياة اليومية."
